المركز العراقي الافريقي للدراسات الاستراتيجية
الموقع الرسمي

اختراع إفريقيا ومفهوم الأفروعربية

0

هل يُعيد زعماء أفارقة جدد أمثال أبي أحمد ومحمد عبدالله فرماجو ويوري موسيفيني اختراع إفريقيا بالمفاهيم الغربية القائمة على تصورات العرق والجغرافيا، بما يُحدث الوقيعة بين العرب وإفريقيا من جهة، ويعيد الاعتبار لمفهوم إفريقيا السوداء بما يحمله من دلالات عنصرية من جهة أخرى؟

ثمة محاولات تقوم بها إثيوبيا في ظل زعامة أبي أحمد لإعادة صياغة منطقة القرن الإفريقي بمعناه الواسع بحيث يتم التأثير على الانتماءات الثقافية والحضارية لمنطقة أركان النظام الإقليمي العربي (الصومال وجيبوتي والسودان أو على الأقل جنوب السودان).

وقد كانت أزمة سد النهضة الإثيوبي كاشفة في هذا السياق، حيث تحفظت كل من الصومال وجيبوتي على قرار جامعة الدول العربية بضرورة امتناع إثيوبيا عن البدء في ملء خزان السد، دون التوصل إلى اتفاق مع دولتي المصب.

يذهب أبي أحمد لتحقيق طموحه السياسي إلى تراث منليك، الذي وسع أراضي مملكته عن طريق الغزو والضم، كما أنه يرفع شعار الاستثنائية الإثيوبية لاستعادة أمجاد الإمبراطورية الزائفة.. ربما يكون من المفيد هنا أن نطرح رؤيتين مختلفتين تماما حول فهم إفريقيا وموقع العرب منها.

اختراع إفريقيا
يرى المفكر الكونغولي الأشهر فالنتين موديمبي أن التصورات الغربية للجغرافيا قادت بعض الكتابات الغربية إلى اختراع فكرة إفريقيا، حيث إن اسم إفريقيا نفسه لم يكن موجودا، وفي هذا السياق يشير إلى هيرودوت، الذي قدم وصفًا للأراضي الواقعة غرب “ليبيا” القديمة بقوله: “إلى الغرب من أرض الفلاحين توجد تلال مرتفعة، وغابات ووحوش برية كثيرة.. هذا هو المسار الذي توجد فيه الأفاعي الضخمة، والأسود، والفيلة، والدببة، والحمير ذوات القرون.. هنا أيضًا المخلوقات التي تحمل وجه الكلب، والمخلوقات التي ليس لها رؤوس، والتي يتخيل الليبيون أنها تصوب أعينها نحو صدورهم، وكذلك الرجال والنساء البدائيون ، والعديد من الوحوش الأخرى الأقل جاذبية”.

أما بالنسبة للرومان القدماء، فقد أصبحت “إفريقيا”، التي ربما ترجع إلى أصول أمازيغية، تُطلق على جزء فقط من شمال القارة، الذي يمثل اليوم تونس.

في وقت لاحق، استخدم الحكام الأمويون اسم “إفريقية”.. كل هذه الأسماء، مع ذلك، تشير إلى مناطق محددة في القارة ولا تقدم رؤية كلية.

يمكننا تتبع هذه التصورات المتخيلة في أدب الرحلات خلال فترة العصور الوسطى، والكتابات الحديثة المبكرة التي جاءت نتاجا للبعثات التجارية الأوروبية، وفي تقارير مسئولي الإدارة الاستعمارية والعديد من الدراسات الإثنوغرافية والتاريخية التي التحفت بثياب أكاديمية. المعرفة الغربية عن القارة جاءت في نهاية المطاف لملء المكتبات الاستعمارية التي كانت تعمل على خدمة الأهداف الإمبراطورية. كانت هذه المكتبات عنصرية الطابع والفكر. لا عجب في أن يتم تصنيف إفريقيا السوداء على عكس شمال إفريقيا، وذلك في سياق نظريات التفوق الأبيض. لقد ذهب جيمس واتسون الحائز على جائزة نوبل عام 1962 – وكأنه حفيد هيرودوت، إلى حد القول بأن الأفارقة أقل ذكاء من الجنس الأبيض.

أفرابيا كبديل حضاري
اليوم، أصبحت المعرفة الغربية حول إفريقيا مسكونة إلى حد كبير بمفاهيم الجغرافيا القائمة على العرق والمرتبطة بتراث المكتبة الاستعمارية. على الرغم من محاولتها التجمل وصياغتها بلغة تبدو أكثر علمية . وفي هذا السياق لا تستطيع دراسة “إفريقيا جنوب الصحراء” استيعاب التيارات الثقافية والفكرية المتدفقة صوب الداخل والخارج.

لقد نظر الفكر الجغرافي الغربي إلى الصحراء الكبرى بحسبانها عقبة كأداء أمام الاستمرارية الثقافية والتفاعل الإنساني. ومع ذلك، من الناحية التاريخية، لم تكن الصحراء حاجزًا، بل كانت أكثر من مجرد جسر ثقافي وحضاري. قد يكشف البحث في نوع مختلف من المكتبات والنماذج المعرفية عن تصورات ورؤى بديلة عن إفريقيا. لو أن موديمبي وغيره من الكتاب من أصحاب نظرية الاستشراق الأسود قد نظر إلى المكتبة الإسلامية الإفريقية ، لوجد فضاءً جيوسياسيًا مختلفًا من حيث المعنى والمضمون حول إفريقيا.

تزخر المكتبة الإسلامية الإفريقية بالشهادات المكتوبة باللغة العربية، وهي مصدر لغوي مهم لا يمكن تجاهله. تشمل هذه الأعمال نصوصًا عربية من العصور الوسطى، وأعمالًا كلاسيكية عن المعارف الإسلامية كتبها مؤلفون عرب وأفارقة. على سبيل المثال يقدم المفكر الكيني الأشهر علي مزروعي مفهوم أفرابيا ليعبر عن ما أسماه “الميراث الثلاثي” لإفريقيا – كنموذج وحدوي بديل من جهة وكوحدة تحليل تتجاوز التصنيف الجغرافي العنصري البحت من جهة اخرى. يجادل مزروعي بأنه على مدى فترة طويلة كان هناك تباين بين الشعوب السامية ، مما ترك اليهود يتعاطفون مع أوروبا والأوروبيين وينتمون إليها بسهولة أكبر ، وفي المقابل حدث تقابل والتقاء بين العرب و الأفارقة. وهذا ليس بالأمر المستغرب حيث أن غالبية “العالم العربي”، من حيث عدد السكان والمساحة الجغرافية موجودة في قارة إفريقيا.

يحدثنا على مزروعي عن ثلاثة فئات من رابطة الأفرابيا : الأولى تقوم على رابطة النسب والمصاهرة :إنهم أناس يعكس تاريخهم العائلي تمازجا بين الأنساب الإفريقية والعربية. عائلة المزروعي نفسه تنتمي إلى التجار العرب وعلماء المسلمين الذين أسسوا مجتمعات مزدهرة على طول الساحل الشرقي لإفريقيا. أما الفئة الثانية فهي الأفرابيا الثقافية، إنها نتاج تعريب و أسلمة إفريقيا. إنهم أولئك الذين تم تعريب ثقافتهم وأسلوب حياتهم بعمق ولكنهم لم يرقوا إلى مستوى كونهم عربًا أقحاحا من الناحية اللغوية. معظم الصوماليين، وأبناء الهوسا، والناطقين بالسواحيلية ينتمون إلى رابطة أفرابيا بهذا المعنى. لغتهم الأم ليست اللغة العربية ، لكن الكثير من ثقافتهم يحمل طابع الأثر العربي والإسلامي. الأفرابيا الأيديولوجية تمثل الفئة الثالثة. يؤمن هؤلاء بوحدة العالمين الأفريقي والعربي التي تقوم على تقارب غير عرقي قائم على التفاعل التاريخي والفرص المشتركة، وفي هذا السياق لم تتعارض مفاهيم العروبة مع مفهوم الوحدة الأفريقية، ويمكن أن نبرز في هذا السياق آراء كوامي نكروما واحمد سيكوتوري وجمال عبدالناصر. وأخيرا الأفرابيا بحكم الجغرافيا والسكان. وهذه الفئة تشمل كلا من العرب والبربر الذين تتمتع بلدانهم بعضوية كل من الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية. بعض هذه الدول عربية بأغلبية ساحقة ، مثل مصر وتونس ، بينما البعض الآخر عربي بشكل هامشي فقط ، مثل الصومال وجزر القمر.

تتجنب دراسة وجهات النظر الأفريقية للعالم التعريفات العرقية البحتة للهوية وتؤكد الصلات خارج الدولة القومية. على عكس مفهوم الأثيوبيانية والتفوق الأمهري قدمت مصر الناصرية رؤية وحدوية جامعة حيث تقع مصر في مركز ثلاثة دوائر متشابكة: عربية ، ومسلمة ، وأفريقية. هذا الشعور متعدد الدوائر والانتماء السياسي يعبر عن الرابطة الأفروعربية . إنه يفسر كذلك المشاعر التي يصل إليها عبد الناصر عندما أعلن بكل وضوح انحيازه لأفريقيا” لا نستطيع بحال من الأحوال ـ حتى لو أردنا ـ أن نقف بمعزل عن الصراع الدامي المخيف الذي يدور اليوم في أعماق إفريقيا بين خمسة ملايين من البيض ومائتي مليون من الأفارقة. لا يمكننا القيام بذلك لسبب رئيسي واحد واضح – نحن أنفسنا جزء من القارة الأفريقية “.

وعلى الرغم من أن مشروع ناصر كان مشروعًا قوميًا يهدف إلى تعزيز أهمية ومكانة مصر الدولية ، إلا أننا نرى في أبعاده السياسية والثقافية محاولة لتحدي التصنيف الذي فرضته الحكومات الاستعمارية والكتابات الغربية. إنه يحاول إعادة اختراع إفريقيا برؤية أخرى تستند إلى منظور حضاري مغاير يرفض مفهوم التفوق العنصري. يؤكد هذا المنظور على تدفق حركة الأشخاص والأفكار حول وعبر الممرات الرئيسية للرابطة الأفروعربية المتمثلة في المحيط الهندي والبحر الأحمر ووادي النيل وصحراء غرب إفريقيا. علاوة على ذلك ، فإنه يطور جغرافيات ذات أبعاد حضارية من الانتماء السياسي ترفض نموذج امتياز العرق والدولة القومية. إنه في هذا السياق من الفضاء االجيوستراتيجي يمكن أن تظهر رابطة وحدوية بديلة تعبر عن نطاق أوسع للتفاعلات الإنسانية. ولعل ذلك كله يجعل محاولات عزل مصر عن محيطها الحيوي في وادي النيل محكوم عليها بالفشل لأنها تستند إلى رؤى معرفية إمبراطورية وأساطير تاريخية متعلقة بالتفوق القومي.

شاركنا رأيك

بريدك الإلكتروني مؤمن ولن يتم اظهاره للعلن.