المركز العراقي الافريقي للدراسات الاستراتيجية
الموقع الرسمي

الأمن و الاقتصاد العراقيين..بين فكى الأسد؟

0


مقدمة
مرت الدولة العراقية بعد الغزو الأمريكى لها فى 20 مارس من عام 2003 بعدة تحولات هامة على الأصعدة المختلفة، السياسة والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، وقد كان ذلك حتى خروج آخر جندى أمريكى فى 18 ديسمبر من عام 2011، بعد ذلك توالت على الدولة العراقية عدة متغيرات ساعدت على جعل العراق أرض تنافس وحلبة مصارعة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وإذا كنا نتحدث عن علاقات عراقية مع تلك الدولتين بعد هزيمة ما يسمى ب “تنظيم الدولة الإسلامية”، فإننا نضع تساؤلين يكون متن إجابتهما متضمن فى هذه المقالة، أول هذه التساؤلات هو هل الصراع الإيرانى-الأمريكى فى الشرق الأوسط أثر على المعادلة الأمنية للدولة العراقية؟ ثانى تلك التساؤلات هو هل سيكون للاقتصاد العراقى نصيب من التأثيرات السلبية للصراع الأمريكى-الإيرانى؟
بعد نهاية الحرب الباردة ظهر مفهوم جديد على السطح فى الدراسات الأكاديمية السياسية وهو مفهوم “الإقليمية الجديدة”، وهو ما يعبر عن عملية معقدة ومركبة تشمل تدابير معينة يراد منها إلغاء التمييز الذى يجمع دول معينة داخل إقليم معين ، ومرد هذا هو أنه من الممكن أن تحقق مجموعة معينة من الدول مرحلة قوية من الشراكة والتفاعل ، وليست بالطبع تكون فى إقليم جغرافى واحد، ولنا فى تكتل ” البريكس” خير دليل على مفهوم “الإقليمية الجديدة”.
وبناء على ما سبق، نعود ونؤكد على أن العراق من الأفضل لها أن تتمسك بالإقليمية التقليدية مع إيران أم تتمسك بالإقليمية الجديدة مع واشنطن، فهى خيارات تفاضل بينها فى الوقت الحالى فى ظل الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران فى الشرق الأوسط، وخاصة منطقة المشرق العربى والتى يقع العراق فى القلب منها.
الصراع الأمريكى- الإيرانى..معضلة أمنية للعراق
منذ قيام الثورة الإسلامية فى إيران من عام 1979 وتحاول إيران القيام بدور من يصدر الثورة، نراها أنها من يصدر العنف، فقد استطاعت أن تمدد أذرعها فى المنطقة، حيث حزب الله اللبنانى، وجماعة الحوثى فى اليمن، وكذلك الحشد الشعبى فى العراق، هذه الأذرع تمتلك نفوذا سياسيا وأمنيا فى الدول التى يعيشون فيها، وبعد خروج الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق الخاص بالبرنامج النووى الإيرانى عام 2018 وفرضها مزيدا من العقوبات على الجانب الإيرانى، أثارت تلك الخطوات حفيظة إيران ومن ثم عملت على تهديد النفوذ الأمريكى فى دول المنطقة من خلال أذرعها المتعددة، فكان من قائمة الدول التى وضعت فيها الخطط لتهديد النفوذ الأمريكى بها هى العراق، فقد سببت تلك التحركات من جانب المليشيات المدعومة من إيران إلى زعزعة الاستقرار الأمنى والعسكرى فى العراق، وقد استخدمت تلك المليشيات الصواريخ الكاتيوشا لضرب المنطقة الخضراء فى وسط بغداد والتى يوجد بها مقر السفارة الأمريكية فى العراق مرات عدة، والتى مازالت تستخدمها حتى الآن، ففى هذا تهديد واضح لكيان وهيبة الدولة العراقية ومن ثم تهديد أمنى خطير لسكانها، وقد كان للولايات المتحدة تحركات خطيرة فى العراق أثرت على المعادلة الأمنية فيه، ومن بين تلك التحركات هو مقتل الجنرال قاسم سليمانى قائد فيلق القدس، وهى القوة الأهم فى الحرس الثورى الإيرانى، بالإضافة إلى اغتيال نائب رئيس الحشد الشعبى “أبو مهدى المهندس”، وقد كان هذا التحرك الأمريكى باغتيال هذين القائدين المقربين من إيران فى العراق فى مطلع يناير من عام 2020، ونستنتج من هذه المناوشات بين الجانبين الأمريكى والإيرانى، عدة مدلولات، وهى كالآتى:
• هذا الصراع ينتهك سيادة الدولة العراقية ليلا و نهارا، وهذا منافٍ تماما لمبادئ القانون الدولى وكذلك مواثيق الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، ومن ثم يجعل الدولة العراقية تحاول بقدر الإمكان أن تركز على الجانب الأمنى وتتناسى باقى التحديات، مما سبب حالة من عدم الاستقرار الأمنى وكذلك السياسى فى العراق.
• يلاحظ من خلال تحركات الطرفين الأمريكى و الإيرانى أنهما يستخدمان أساليب معينة من الحروب، فإيران تستخدم مع النفوذ و القوات الأمريكيين الحرب بالوكالة، فى حين أن التحركات الأمريكية يأتى معظمها بشكل مباشر على المليشيات المدعومة من إيرن كحزب الله مثلا، وهذا مايجعل أمد الصراع طويلا على أرض العراق العربى.
• طالما أن الولايات المتحدة تستخدم أسلوب الحرب المباشر، فى حين أن إيران تسخدم الحرب بالوكالة عن طريق المليشيات المسلحة، فإن هذا الصراع قد ينال كافة الدول التى توجد بها ميليشيات إيرانية مسلحة، كلبنان وسوريا مثلا.
• أوضح الصراع الأمريكى- الإيرانى مدى عمق الاختلاف والفرقة بين أبناء الشعب العراقى، فمنهم من يؤيد ضرب المليشيات للقوات الأمريكية، ومنهم من يؤيد حرب الولايات المتحدة الأمريكية على إيران فى الأرض العراقية، وقد نسيا هذان الطرفان أن هذه الحرب ليس للعراق ناقة فيها ولا جمل، وهناك فريق ثالث تمثله غالبية الشعب العراقى، وقد عبروا عنه فى احتجاجات أكتوبر 2019، وهو إقصاء العراق عن لهيب الصراع الأمريكى- الإيرانى.

الالتفاف الإيرانى حول العقوبات الأمريكية.. خسارة محتملة للعراق
بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية النووية وقرارها فرض عقوبات شديدة على النظام الإيراني أحدثت ضرراً كبيراً في الاقتصاد الإيراني، إلا أن هناك ثغرات واضحة في نظام العقوبات أبقت متنفساً للنظام الإيراني، ويعد العراق أحد أبرز تلك الثغرات، حيث يعتمد العراق على الغاز الإيرانى والكهرباء والمنتجات النفطية المكررة والصادرات غير النفطية ، مما أعطى فرصة سانحة للاقتصاد الإيرانى أن يلتف حول العقوبات الأمريكية ويتقى بعضا من شرورها، فى حين أن الولايات المتحدة تمنح العراق إعفاءات من العقوبات على قطاعى الغاز والنفط الإيرانيين.
ولكن هل سيستمر العراق فى الاعتماد بشكل أكبر على الغاز والطاقة الكهربائية من إيران بشكل دائم، هذا هو لب هذه المشكلة، فإن فعلت الحكومة العراقية شيئا يهدد نفوذ إيران فى العراق تضغط عليهم بورقتى الغاز والكهرباء، حيث أنه فى صيف عام 2018 أرادت إيران إيصال رسالة تهديد ضمنية للشعب العراقي عندما أوقفت إمدادات الكهرباء عن العراقيين، ما تركهم يعانون من انقطاع التيار الكهربائي في ذروة موسم الحرارة، وبسببه اندلعت مظاهرات في البصرة، حيث احتج السكان على نقص مياه الشرب والكهرباء والفساد وعدم توفر فرص العمل، وهو ما دفع أتباع النظام الإيراني في الحكومة العراقية إلى الادعاء بأن التوقف عن استيراد الكهرباء من إيران يمكن أن يؤدي إلى انهيار الوضع في البلاد بشكل كامل، فيما لو استمر لفترات طويلة، وتلك ذريعة تسوقها الحكومة العراقية إلى واشنطن لإقناعها بضرورة استثناء العراق من العقوبات المفروضة على إيران.
ومن هذه ينتج لدينا عدة مدلولات، وهى كالآتى:
• ربط الاقتصاد العراقى المتأزم بفعل هبوط أسعار النفط، بالاقتصاد الإيرانى يؤدى إلى سقوط هيبة الدولة العراقية، ومن ثم عدم استقرار الأنظمة السياسية، وتآكل سيادة الدولة، وتنامى نفوذ إيران فى العراق.
• هروب الاستثمارات من العراق بسبب أن البنية التحتية يأتى معظمها من دولة تعانى من عقوبات اقتصادية فادحة من القوى العظمى فى العالم، فيجعل رؤوس الأموال خائفة من الدخول والاستثمار فى الأسواق العراقية، والتى تعانى من مشكلات عدة.
• التعاون بين العراق وإيران يجبر الولايات المتحدة الأمريكية على تنفيذ حزم من العقوبات الاقتصادية على العراق، وهو ما تم التنويه عنه بالفعل من قبل الولايات المتحدة، ووفقا لتقارير إعلامية عراقية، زار مسئولو وزارة الخزانة الأمريكية البنك المركزى العراقى فى يوليو2019 وصرحوا بأن الولايات المتحدة ستعاقب أى بنك عراقى يتعامل مع إيران. وفقا لصحيفة وول ستريت جورنال، فإن لدى الحكومة العراقية حسابات مصرفية لدى بنك الاحتياط الفيدرالى الأمريكى حيث يتم الاحتفاظ بدولاراتها. وهذه الدولارات ــ التى يعتمد عليها الاقتصاد العراقى ــ يمكن تجميدها إذا انتهك العراق العقوبات.
• ومن بين أخطر تلك المدلولات التى رآها الباحث فى هذا الجانب، هو غياب الدور العربى على وجه العموم، والخليجى على وجه الخصوص، فعندما وقع الاقتصاد العراقى أسيرا لإيران فلماذا لم يكن للاقتصاديات العربية أى دور فى دعم البنية التحتية للعراق، لذلك أؤكد ان الوضع الاقتصادى للعراق يعطى فرصة قوية للدول العربية لدعم الاقتصاد العراقى، ومن ثم تفتيت النفوذ الإيرانى فى المنطقة، ومن بين الدول العربية التى يجب أن يكون لها موضع قدم ثابت وظاهر فى الاقتصاد العراقى هى دول الخليج العربى، فسيفيدها هذا من عدة جوانب أبرزها، موازنة النفوذ الإيرانى فى المنطقة، ورجوع العراق إلى البيت العربى، وضمان أمن واستقرار منطقة المشرق العربى، ومن ثم درء بعض المخاطر الأمنية المتأتية من الشمال على الدول الخليجية، وكذلك المنفعة الاقتصادية الآتية لدول الخليج العربى من العراق، بحكم أن السوق العراقية سوق كبير، وكذلك الدولة العراقية دولة منتجة للنفط بكميات ضخمة.

خاتمة
بعد أن تعرضنا لأهم المدلولات التى أثرت على الأمن والاقتصاد العراقيين من جراء الصراع الأمريكى-الإيرانى، فإننا نؤكد أن الخروج بالعراق من هذه الصراع يمثل أهم حل لمشكلات وتحديات شتى تواجهها الحكومة العراقية، على المستويين الداخى والخارجى، وقد تطرقنا إلى أن الدور العربى لا يقارن بالدور الامريكى أو الإيرانى فى العراق؛ ولذلك يُعول عليه كثيرا فى الفترات القادمة، إن كانت حقا تنوى الدول العربية رجوع العراق إلى وعائه العربى مرة أخرى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
Blair, Alasdair. (2005). The Europen Union since 1945. London : Pearson Educatio.

العقوبات الأمريكية على إيران وتداعياتها على العراق، متاح على الرابط التالى:
https://www.shorouknews.com/mobile/columns/view.aspx?cdate=17082018&id=7b68c231-817a-4bec-8409-8dbe2a4961f4 .
هكذا يساعد العراق إيران في التغلب على العقوبات الأمريكية، متاح على الرابط التالى:
https://al-ain.com/article/iraq-iran-crisis-sanctions.

شاركنا رأيك

بريدك الإلكتروني مؤمن ولن يتم اظهاره للعلن.