المركز العراقي الافريقي للدراسات الاستراتيجية
الموقع الرسمي

الأوبئة في غرب أفريقيا الإيبولا انموذجا محاضرة جديدة للمركز العراقي الأفريقي

0

في إطار تبني المركز العراقي الأفريقي للدراسات الأستراتيجية لسلسلة محاضرات الأفريقية، اقام المركز المحاضرة الثالثة بعنوان الأوبئة في غرب أفريقيا الإيبولا انموذجا
والذي القاها الدكتو /عبد الله عيسى، دكتوراه في التاريخ الحديث جامعة حسن الثاني وعضو هيئة استشارية/ ومحكم المجلة العربية للعلوم ونشر الأبحاث المركز القومي للبحوث، رام الله، فلسطين، وذلك يوم الخميس7/11/ 2020 عبر المنصة الألكترونية زووم، وقد جاء نص المحاضرة:
الصلاة والسلام على الهادي البشير سيدنا محمد، عليه أفضل الصلاة والسلام، خاتم الأنبياء والمرسلين. وبعد: في البداية أتقدم بجزيل الشكر، وعظيم الامتنان إلى الأستاذ الدكتور هاشم سرحان سلمان، لدعوته الكريمة لنا في إلقاء هذه المحاضرة، والتي تأتي من ضمن أنشطة سلسلة محاضرات إفريقية، يقيمها المركز العراقي الإفريقي للدراسات الاستراتيجية، فله منا كل الشكر والتقدير. وكما نرحب بالأخوة والأخوات الحاضرين معنا في هذه الندوة.
والمركز العراقي الافريقي للدراسات الاستراتيجية، يعتبر من المراكز البحثية الرائدة في حقل الدراسات الإفريقية، في العالم العربي، لما يقوم به من مجهودات جبارة للتعريف بتاريخ القارة الإفريقية، وماضيها. فهذه المجهودات العلمية تستحق التنويه، والشكر والتشجيع من قبل المهتمين بالدراسات الإفريقية. ونتمنى أيضاً أن تكون لنا لقاءات علمية أخرى، نناقش فيها قضايا أخرى،
ستكون مداخلتي تحت عنوان: (الأوبئة في غرب إفريقيا وتأثيراتها: ايبولا نموذجا) يمكن أن نقول عنه بأنه موضوع الساعة؛ نظرا للظروف الاستثنائية التي يعيشها العالم اليوم، بسبب تفشي فيروس كورونا، والذي ترك آثار بعيدة المدى على المستوى الاقتصادي، والاجتماعي، وحتى السياسي، لا يمكن لأي باحث أو دارس أن ينكرها، أو يتجاهلها، وندعو الله أن يرفع عن الإنسانية جمعاء هذا الوباء، وأن يعيد الأمور إلى نصابها.
سنحاول في هذه المداخلة التعريف بوباء إيبولا، والسياق التاريخي لظهوره، وإلقاء نظرة سريعة على الأوضاع الداخلية للمنطقة قبل ظهور الإيبولا، ثم ننتقل إلى رصد تأثيرات هذا الوباء على الاقتصاد والمجتمع، ثم الحلول والمقترحات لوقف هذا الوباء، وأخيراً عرض أهم التوصيات والنتائج التي توصلنا بها. على بركة الله نبدأ
كثيرًا ما تعرَّضت القارة الإفريقية وخاصة الأجزاء الغربية منها، إلى موجات من الأوبئة والأمراض عبر التاريخ، والتي مثلت ـ في واقع الأمر ـ إحدى العوائق الرئيسية التي تقف أمام التنمية والتقدم الحضاري، وكما شكلت في الوقت ذاته، تهديدًا لحياة البشر في تلك المنطقة؛ حيث كان تأثيرها أشد وطأة وصعوبة لعدة عوامل؛ من أهمها: غياب البنية التحتية المناسبة للتعامل مع تلك الأوبئة والأمراض، مقارنةً بمختلف دول العالم المتحضر، إذاً؛ يمكن القول، إنَ الدول الفقيرة أو الهشة إن صح التعبير تكون تأثير الأوبئة والكوارث الطبيعية عليها أكثر صعوبة، وأشد قسوة من الدول الغنية، والتي تتمتع بنظام صحي قوي.
سنحاول في هذه المحاضرة الوقوف عند وباء فيروس الإيبولا، الذي ظهر لأول مرة في السودان خلال سبعينيات القرن الماضي، وجمهورية الكونغو، في قرية تقع على مقربة من نهر إيبولا، ومما أدى إلى تسميته بهذا الاسم. ثم انتقل إلى بعض بلدان إفريقيا الغربية، وخاصة (ليبيريا، وغينيا، وسيراليون)، التي كانت أكثر الدول تأثراً به، بالإضافة إلى حالات محدودة في كل من نيجيريا، والسنغال، ومالي. وتشير آخر إحصائيات منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 11300 شخص لقوا حتفهم منذ انتشار الفيروس في ديسمبر عام 2013، فيما بلغ عدد من أصيبوا بالمرض 28500 شخص.
يبدو إذا، أن وباء الأيبولا قد رحل بعد أن خلف ورائه الألاف من الوفيات في عدد من بلدان غرب أفريقيا. وهدأت في الوقت نفسه ردود الفعل المحمومة، وتلاشت معها المخاوف من حدوث وباء على نطاق عالمي، خصوصا بعد أن أُبلِغ عن عدد من الإصابات في بلدان خارج أفريقيا، كإسبانيا والمملكة المتّحدة والولايات المتحدة الأمريكية، مما أثار حالة من القلق في العالم. الا أن استمرار ظهور بعض الحالات يتطلب المزيد من اليقظة المستمرة، و يستوجب استخلاص الدروس و العبر استعدادا لأيبولا عائد أو مرض أخر قد يتفشى في المستقبل .
والجدير بالذكر، أنَ أعراض هذا الوباء يشبه في كثير من الأحيان أعراض أوبئة أخرى، كالملاريا، والأنفلونزا. وينتمي فيروس الإيبولا لعائلة الفيروسات الخيطية، وأطلق عليه هذا الاسم لأنه يظهر على شكل خيط تحت الميكروسوب. ويعد هذا الفيروس من أشد الفيروسات فتكا بحياة الإنسان ويصنف على أنه عامل بيولوجي ممرض من الدرجة الرابعة.
ويمكن القول، أنَ وباء الإيبولا قد كشف خللا كبيرا في ثلاثة دول في غرب افريقيا هي غينيا وليبيريا وسيراليون، وكشف أيضا عن عجز واضح في السياسات الدولية التي كانت تهدف الى مساعدة تلك الدول. لقد تبين جليا أن النظام الصحي في تلك الدول ضعيفا جدا، اضافة الى عدم كفاية الموارد لديها، ناهيك عن حجم السكان الذين يتنقلون بين تلك الدول الثلاث دون سيطرة على الحدود بينها، علاوة على قلة الخبرة في التعامل مع فيروس إيبولا. ووجهت انتقادات واسعة لمنظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة ، و كذلك للعوامل السياسية التي تسببت في ابطاء الاستجابة على المستويين المحلي والدولي للوباء ، مما سمح بتفاقم الوضع، وخروجه عن السيطرة

ــ أصل وباء الإيبولا:
على الرغم من أنَ فيروس الإيبولا ظلَ مجهولاً، وغير معروف مصدره بشكل دقيق؛ إلا أنَ الغالب على الظن أن يكون الخفاش آكل الثمار هو مصدر الفيروس، بينما الناقلون الرئيسيون المفترضون للمرض هم الغوريلات، وقرود الشمبانزي والظباء. انتقال العدوى من الحيوان إلى الإنسان تتم عبر التعامل مع لحوم هذه الحيوانات المصابة باللمس أو غيره، أو حتى التهامها خاصة عندما لا تكون مطهية بشكل جيد. وتتراوح فترة حضانة الفيروس بين يومين و21 يومًا.
وهناك نظريتان تتعلقان بمصدر الوباء خاصة في عامي 2014 ــ 2015؛ الذي شهد ذروة انتشاره:
النظرية الأولى: إنَ طفلا غينيا صغيرا يبلغ من العمر عامين هو مصدر الوباء، ويتبنى هذه النظرية فريق بحثي إنجليزي.
بينما أوضحت دراسة أخرى، منشورة في مجلة العلوم الأمريكية أنَ مصدر الوباء يعود إلى سيدة معالجة على قيد الحياة من سوكوم في دولة سيراليون، بالقرب من الحدود الغينية.
وينتشر الايبولا بسرعة خاصة في المناطق الحضرية؛ والتي تشهد كثافة سكانية كبيرة، ويمكن أن تكون السبب الرئيس للانتشار السريع للوباء.
ما هي أعراض الوباء؟
تعتبر الحمى المرتفعة، والصداع، وآلام العضلات والحلق ، أبرز أعراض الإيبولا في الطور الأول من المرض، مع أعراض أخرى تظهر لبعض المرضى في المرحلة الثانية من المرض، وهي الأخطر، كالإسهال، والطفح الجلدي، واحمرار العينين وتقيؤ الدم، قصور في وظائف الكلى. وهذه الحالة تعتبر الأخطر على الإنسان المصاب، حيث يهاجم فيروس الإيبولا دم و خلايا الجسم المصاب، ومع تطور المرض في الجسد تتأثر بشدة الأعضاء الحيوية كالكلى، والكبد، ويبدأ بها نزيف داخلي. وتحدث الوفاة بعد وقت قصير من ظهور الأعراض؛ بسبب فشل العديد من الأعضاء في تأدية وظائفها.
ــ طرق انتقال العدوى:
إنَ انتقال فيروس الإيبولا بين البشر يحدث من خلال الاتصال المباشر مع مشتقات الدم والإفرازات السائلية كالعطس، وسوائل الجسم، كاللعاب، والبول، والقيئ، والمني، والعرق)، للأشخاص المصابين أو عبر وسائط من البيئة الملوثة.
أحوال منطقة إفريقيا الغربية قبل الإيبولا:
لمعرفة أثر وباء الإيبولا على المجتمع، لا بد لنا من معرفة الأحوال الداخلية للدول التي تعرضت بشكل مباشر لهذا الوباء؛ فقد عانت غينيا وليبيريا وسيراليون الكثير من المشاكل على الصعيد الداخلي، فليبيريا وسيراليون خرجتا من حروب أهلية طويلة، والمعروف تاريخياً أنَ مرحلة ما بعد انتهاء الحرب صعبة، بل يمكن ان نقول بأنها أصعب من الحرب ذاتها، فعانت المنطقة من مرحلة عدم الاستقرار السياسي، وكثرة الانقسامات، وخيمت الشكوك على الجو السياسي العام.
قبيل تفشي وباء الأيبولا، كانت هناك فجوة كبيرة بين مشاريع تشجيع الاستقرار الاجتماعي والسياسي، والنمو الاقتصادي الثابت، و بين وجود البنى التحتية الأساسية الكافية ناهيك عن أنعدام النظم الصحية الفعالة. عانت الدول الثلاث من لعنة الموارد –حيث احتكرت شريحة صغيرة من المجتمع و الأجانب استخراج الموارد الطبيعية الغنية بدلا من استخدام تلك الموارد لصالح الأغلبية. ساهم هذا الوضع في توسيع هوة عدم الثقة بالأجهزة الحكومية التي فشلت في توفير الخدمات الأساسية، خاصة الخدمات الصحية . أن الاهتمام بمشاريع أعادة الأعمار، لا سيما في ليبيريا وسيراليون، جنبا إلى جنب مع التركيز العالمي على بعض الأمراض، خاصة الإيدز والسل والملاريا، ساهما في تقييد أداء القطاع الصحي و نقص موازنات وزارات الصحة مما جعلها غير مهيأة تماما للتعامل مع الحالات الطارئة. و لم تسعى منظمات الإغاثة أيضاً، التي كانت تملك قدر أكبر من الموارد مما تمتلكه وزارات الصحة في تلك البلدان، الى سد الثغرات الناجمة عن عجز مؤسسات الصحة الوطنية. وعلينا ان لا نغفل الفساد في المؤسسات الصحية المحلية، والذي ادى الى قيام الجهات المانحة بتفضيل المنظمات الدولية بدلا من دعم اجهزة الصحة المحلية. كما أن غياب التبرعات و الهبات الدولية الواسعة والثابتة ساهمت في خلق قطاع صحي هش في تلك البلدان الثلاثة.
أما غينيا، فتعتبر الأكثر ضعفا بين البلدان الثلاثة. فهي واحدة من الدول الأفريقية المعدودة التي يقل نمو ناتجها المحلي الإجمالي السنوي عن 3 في المائة، وهي الدولة الاقل انفاقا في المنطقة على الرعاية الصحية. لم تعاني غينيا من ويلات الحروب الاهلية الا انها لم تتلقى دعما دوليا كما حدث مع سيراليون وليبيريا، على الرغم من أن منطقة غابات غينيا كانت مهمة في الصراعات التي دارت في سيراليون وليبيريا، لانها كانت منطقة تجنيد و ملجأ للاجئين. مع بداية تفشي الايبولا كانت غينيا في خضم مأزق سياسي و ذلك لأن انتخابات عام 2010، والتي أوصلت الرئيس ألفا كوندي إلى السلطة، رافقها الكثير من النفس العرقي السياسي و العنف وعدم الثقة في المؤسسات الانتخابية. وتسببت الانتخابات التشريعية في 2013 في المزيد من الاحتجاجات والعنف والقمع في كوناكري بسبب أدعاءات بتزوير الأنتخابات . يبدو ضعف الحكومة واضحا بشكل خاص في قطاع الرعاية الصحية. تحدثت استراتيجية الحد من الفقر الصادرة في 2002 عن تحقيق نظام رعاية صحية جيد بحلول عام 2010 . الا أن الواقع يقدم صورة مغايرة تماما ، حيث يدفع الغينيون 65 % من أقيام علاجهم .أن افتقار المراكز الصحية الريفية الى المعدات و الدعم و الكادر الصحي المؤهل جعلت أجزاء عديدة من غينيا غير مستعدة تماما للتعامل مع الأيبولا.

إذاً يمكننا القول، إنَ الأوضاع السياسية كانت هشة وغير مستقرة، وحتى الأوضاع الاقتصادية، كانت شبه مشلولة، مما سيؤثر تأثيرا مباشر على تفاقم الأوضاع الصحية، يجعل من التحكم في وباء الإيبولا ضربا من المستحيل.

ــ أثر وباء الإيبولا:
تركت الأوبئة التي تعرضت لها منطقة غرب إفريقيا عبر التاريخ وخاصة وباء الإيبولا، الذي نتحدث عنه في هذه المحاضرة، بصمات وآثار عميقة على المجتمع، من الناحية الاقتصادية، والاجتماعية، إذ أدى هذا الوباء إلى حدوث خلخلة كبيرة على البنيات الاقتصادية والاجتماعية لبعض الدول، وخاصة تلك التي كانت بؤرة للفيروس. فكيف تجلى هذا الأثر؟؟؟؟؟
خسرت ليبيريا وسيراليون وغينيا ما لا يقل عن 1.6 مليار دولار في عام 2015 من الناتج المحلي الإجمالي بسبب هذا الوباء. وفقا لمنظمة أوكسفام،

نشرت مجلة الإيكونوميست البريطانية تقريراً في 15 نوفمبر عام 2015م تقريراً، سلط الضوء على خطورة الفيروس، وأماكن انتشاره، وأماكن تمركزه في دول إفريقيا الغربية الثلاث (ليبيريا، وسيراليون، وغينيا)، وهي أكثر الدول تضررا، من فيروس إيبولا.
وذكر التقرير، أنه يبدو أن الوقت لم يحن بعد للاستمتاع بالسفر، فلا تزال الخيام مطوية، وحمامات السباحة في الفنادق فارغة، بينما يضيع المرشدون السياحيون أوقاتهم بين الأسود والفيلة، وبذلك يضع منظمو الرحلات السياحية في أنحاء إفريقيا كافة، في الذاكرة الحية أكبر نسبة انخفاض في المجال السياحي، وهذا ما أشارت إليه إحدى وكالات السفر المتخصصة SafariBookings. Com ، في مسح أجرته في سبتمبر 2014، تبين فيه أنَ من 500 من منظمي الرحلات، قد عانوا انخفاضاً في الحجز بنسبة تتراوح ما بين 20 إلى 70 بالمئة، ومنذ ذلك الحين بدأت نسبة الانخفاض في تزايد، كما توقف العديد من الوكلاء الأمريكيين والأوروبيين عن عرض رحلات إلى غرب إفريقيا؛ والسبب في ذلك إنتشار فيروس إيبولا في غرب إفريقيا، الذي أدى بحياة ما يزيد عن 5 آلاف نسمة.
إذاً، نفهم من هذا التقرير أنَ القطاع السياحي قد تعرض للشلل شبه التام، مما قد يؤثر ذلك بشكل سلبي على مردودية الدولة من هذا القطاع. مع أنَ الإيبولا لا يعد المرض القاتل الوحيد والأول في إفريقيا الغربية، فقد سبقه بعض الأمراض الأخرى، مثل: الإيدز، والملاريا، لكن يرسخ داخل ذهن العديد من الزوار والسياح أنَ كل قارة إفريقيا عبارة عن دولة واحدة، فيما أطلق عليه أحد المرشدين السياحيين (وباء الجهل).
وتسبب وباء إيبولا في خلخلة النظامين الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة، إذ تم إلغاء التجمعات البشرية، بما فيها الأعراس، وأوقف أيضاً الفعاليات الرياضية في الدول الأخرى؛ حيث اعتذر المغرب عن استضافة كأس أمم إفريقيا لكرة القدم، خوفاً من وصول الوباء إلى أراضيه.
يمكننا القول إذا، إنَ وباء إيبولا لا يعد طارئة صحية فحسب، بل يعد أيضاً أزمة اقتصادية؛ لأن المرضى لا يستطيعون العمل، والخوف من المرض يبعد الكثيرين عن العمل، ومن ثم تعطلت حركة الموصلات والسفر، الأمر الذي دفع البنك الدولي إلى إصدار تقييم، يقدر فيه الآثار قصيرة المدى لانتشار الإيبولا على اقتصاد (غينيا ـ ليبيريا ـ سيراليون)؛ من حيث نسبة إجمالي الناتج المحلي الضائعة، والتي بلغت 359 مليون دولار، وسيرتفع مؤشر الخسارة ويهبط، طبقاً لسرعة انتشار وباء الإيبولا وبطئه. وفي ظل تقدير البنك الدولي فإنَ سيناريو انتشار إيبولا المرتفع، سيصيب اقتصاد ليبيريا في عام 2015 بخسارة تقدر بـ 12 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي. (مما يقلل النمو من 6.8 في المائة إلى -4.9 في المائة).
والآثار المالية على المدى القصير كبيرة أيضاً، وتقدر بنحو 93 مليون دولار بالنسبة لليبيريا (4.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي)؛ و 79 مليون دولار بالنسبة لسيراليون (1.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي)؛ و 120 مليون دولار لغينيا (1.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي). ويخلص التحليل إلى أن فجوات الاحتواء البطيء ستؤدي حتماً تقريباً إلى فجوات تمويلية أكبر في عام 2015.
كما تعرض القطاعين الزراعي، والرعوي إلى صدمات كبيرة جراء تفشي وباء الإيبولا، ويأتي في مقدمة هذه المشاكل، قلة اليد العاملة الزراعية، وما يتبعه في نقص في المحاصيل الزراعية، بفعل موت العديد منها بهذا الوباء، بالإضافة إلى تقليص المجالات الرعوية، وموت العديد من رؤوس الماشية. هذا ويمكن القول، إنَ وباء إيبولا لم يسمح بحدوث طفرة زراعية، وإنما ساهم بقسط لا بأس به في تقليص المساحات المزروعة، وما ترتب عنها من نقص الإنتاجية، وانتشار الرعي على حساب الزراعة والغراسة.
ولم يسلم النشاط الصناعي هو الآخر من عقبات وباء الإيبولا؛ إذ تعرض هو الآخر إلى نكسات وخلخلات اقتصادية كبيرة، جراء فقدان عدد كبير من الناس لوظائفهم، وبالتالي أدى ذلك إلى تفشي الفقر بين نسبة كبيرة من المجتمع، كما تقلصت القوة الشرائية للناس خلال هذه الجائحة، وارتفعت الاسعار. وقد تزايد تقلب أسعار الصرف في جميع البلدان الثلاثة، ولاسيما منذ شهر يونيو/حزيران، وزاد من تقلبها عدم اليقين، وهروب بعض رؤوس الأموال. كل ذلك، أدى إلى عرقلة جهود الحرفيين والتجار، وتعطل الشروط اللازمة لتقدم حِرفهم وتجارتهم. والراجح ان المشاكل التي أفرزتها وباء الإيبولا أدى، إلى إفلاس العديد من التجار، وخاصة الصغار منهم، ويبدوا أن بعضهم تحول إلى مجرد وسيط تجاري، بينما التحق بعضهم بصفوف العاطلين.
وينبغي عدم التقليل من أهمية الخوف و عدم الثقة التي سادت بين العاملين في القطاع الصحي و الناس بشكل عام مع قلة الموارد .
في ليبيريا، تحولت الأزمة الصحية إلى أزمة أمنية ، كما قال تقرير للامم المتحدة ، لأن “البلد يفتقر الى المؤسسات الناضجة و القادرة على الاستجابة على نحو كاف للصدمات الداخلية أو الخارجية” . الأهم من ذلك، أظهرت الاستجابة “العسكرية” ” ضعف البلد و التحديات التي تواجه أدارة البلاد ، جنبا إلى جنب مع انعدام ثقة الناس العميق بالسلطة . تتطلب عملية أعادة الثقة بعض الأجراءات البسيطة ، خاصة التحقيق في امر التبرعات التي قدمت لمواجهة الأيبولا ، وبناء الثقة في القطاع الصحي وأبعاد القطاع الصحي عن التسيس . في سيراليون، كان الوباء غطاء لقمع احتجاجات سياسية مرتبطة بطرد نائب الرئيس صامويل سام سومانا. بعد طرده من الحزب الحاكم وجهت لصامويل سام سومانا تهم العنف السياسي” في كونو وتأسيس حزب جديد . وقفت الحكومة بقوة ضد صيحات المعارضة للعصيان المدني بعدم السماح بالتجمهر و مددت حالة الطواريء . أما في غينيا، فقد تجددت الخلافات الأنتخابية أثر أعلان اللجنة الانتخابية الوطنية المستقلة عن موعد الانتخابات الرئاسية في أكتوبر عام 2015، قبل الانتخابات المحلية المقررة في الربع الأول 2016. اعترضت المعارضة، معتبرة ان المسؤولين المحليين المنتخبين سابقا فقدوا الشرعية، و أنهم تحت سيطرة الحزب الحاكم ويمكن أن يستخدمهم في عمليات التزوير . تجاهلت المعارضة الحظر المفروض على الاحتجاجات و الذي بررته الحكومة بمرض الأيبولا و نظمت بعض الأحتجاجات . نجمت عن هذه التظاهرات بعض أعمال العنف بين المتظاهرين وقوات الأمن، و اصيب الكثير بين قتيل و جريح . و بمساعدة دولية ، وقعت المعارضة اتفاقا يوم 20 أغسطس وافقت به السلطات على أجراء تعديلات فيما يتعلق بالسلطات المحلية واللجنة الانتخابية والتسجيل الانتخابي. الا أن التنفيذ كان مثيرا للجدل.
وفي نهاية هذه الدراسة، يبقى السؤال المطروح: ما هي المقترحات والحلول الواجب اتخاذها لوقف هذا الوباء من التفشي والتكاثر، خصوصاً في المناطق الفقيرة؟
يمكن القول، إنَ هذه المحاولات ما هي إلا عبارة عن إجراءات احترازية، ووقائية توعوية لا غير، وذلك في ظل غياب علاج محدد لهذا الوباء. ومن أهم هذه التدابير: العزل الصحي، والمحافظة على مستوى معين من رطوبة الجسم، و متابعة ضغط الدم باستمرار، ومراقبة العدوى الثانوية، وكيفية علاجها، كما يجب أيضاً أن يخضع الأشخاص المرضى للفحص الكامل، وإذا لم تظهر عليهم أعراض المرض في غضون 21 يوم، فإنَ الشخص يُعدَ حينئذ خال من الفيروس. ومن أجل تحقيق ذلك، يتطلب الأمر جهوداً كثيفة، ومساعي حثيثة، وأنظمة صحية متطورة، أو مساعدات دولية بديلة، و للأسف لا تتوفر مثل هذه الأمور؛ لأنَ الوباء قد انتشر في دول فقيرة، فغينيا ـ مثلا ـ لا يتعدى لديها الانفاق السنوي للمصاريف الصحية 62 دولار لكل فرد ، كما أنَ سيراليون لا يتوفر لديها إلا طبيبان لكل 100,000 نسمة. إذا، إمكانيات هذه الدول محدودة، وضيقة، مما يزيد من تفاقم الوباء بشكل كبير.
بالإضافة إلى أنَ الحروب الأهلية زادت الطين بلة، وجعلت مهمة معالجة هذا الوباء أكثر صعوبة، فالسكان لا يثقون في حكوماتهم، ولا في عمَال الصحة الأجانب عنهم؛ مخافة في أن يكون هؤلاء الأجانب من أطباء وممرضين من حاملي الفيروس، الأمر الذي قوض محاولات عزل المصابين، ووقف سلسلة التفشي. ثم تأتي منظمة الصحة العالمية لتظهر محدودية قوتها في مواجهة مثل هذه المشكلات، حيث وضعت خطوات واجبة التنفيذ من قبل الحكومات لضمان أمن العاملين في مجال الصحة، ولكنها لم تدخل حيز التنفيذ، فهي مجرد توصيات فحسب، فالمنظمة مرهقة بالفعل بسبب ما تواجهه من أزمات إنسانية ناتجة عن مشاكل سياسية وعسكرية ، في كل من جمهورية إفريقية الوسطى، وجنوب السودان، وسوريا)؛ لقد انخفضت ميزانيتها لمنع انتشار الأزمات بمعدل 35% منذ عام 2010، وإن كان بإمكانها طلب المزيد من حالات الطوارئ، فيما أوردت المنظمة أنها بحاجة إلى ( 103) ملايين دولار للاستمرار في مواجهة وباء إيبولا، ولذا فهي تواجه عجزا بمقدار 79 مليون دولار.
هذه الصعوبات التي ذكرناها، تجعلنا أمام سؤال كبير يصعب الإجابة عليه في ظل هذه الإمكانيات المحدودة، وهو: متى ستتغير الأمور، ويتوقف هذا الوباء القاتل؟
في حقيقة الأمر، نعتقد أنَ الأمر ليس واضحاً، ويحتاج إلى بذل الكثير من الجهود على المدى الطويل، لمنع تكرار مثل هذه الأوبئة في المستقبل.
وعلى الرغم من ذلك، ومن شدة التحذيرات حول خطورة هذا المرض، يمكننا القول أنَ الإيبولا لا يمكن اعتباره وباءً عالماً بالمعنى الصحيح، أو نلقي عليه مصطلح جائحة؛ لأنَ الفيروس لا ينتقل إلا من خلال الملامسة المباشرة لسوائل الجسم فقط، مثل الدم والقيئ، فهو أقل من الانتشار إذاً من الأمراض المحمولة جواً، مثل الانفلونزا، فمرض الإيبولا لا يُعدي إلا واحداً أو اثنين عادة، على العكس من الالتهاب الرئوي الحاد (سارس)، الذي ظهر أول مرة في قارة آسيا، والذي يصيب ثلاثةً فما فوق، ومن ثم فإنَ مرض الإيبولا يعد قاتلاً صغيراً في إفريقيا الغربية، مقارنة بالأمراض الأخرى المعدية، ولكنه يظل فيروسا قاتلاً، ومهدداً للمنطقة بلا شك.
إنَ الطبيعة المخيفة للمرض التي تسبب (التقيؤ، والإسهال، والنزيف الذي لا يمكن السيطرة عليه)، وكذلك عدم وجود علاج واضح، قد تسبب في حالة من الذعر والخوف بين مرضى الإيبولا.
وللحد من تأثير وباء الإيبولا، واحتوائه بالشكل المطلوب، نعتقد أنه يجب على الحكومات في إفريقيا الغربية الأخذ بعين الاعتبار العوامل منها: توفير بيئة سياسية داعمة، وذلك من خلال: وجود حكومة فعالة، تعمل لصالح مصالح الشعوب، وتسعى في الوقت ذاته إلى سيادة القانون وتطبيقه على الجميع، لما يضمن لكل مواطن حقه، والسعي إلى تحقيق الاستقرار السياسي، لأنَ العنف والحروب تأثر سلباً على الجهود الصحية المبذولة، وعلى احتواء الوباء أو تفشيه. وهناك قضية أخرى ذات أهمية بالغة، وهي تطبيق مبدأ المسائلة والمحاسبة؛ لأنه يبين مدى تصور المواطنين لإمكانية إسماع صوتهم، ومن المهم معرفة ما إذا كان الرأي العام ظاهراً في عمل الحكومة وسياساتها إزاء أي وباء.
وكذلك يجب الاخذ بعين الاعتبار، تأسيس بيئة اقتصادية قوية وداعمة، مثل: تحقيق النمو الاقتصادي، لأنه يبين لنا مقدار الموارد التي يمكن للدولة تخصيصها للتعامل مع الأزمات والأوبئة، والاهتمام بمؤشر التنمية البشرية، حيث تؤمن هذه العملية قياساً شاملا للنمو الاقتصادي والاجتماعي لبيان الموارد المتوفرة للتعامل مع أي أزمة منهجية، وكذلك الاهتمام بشبكة المواصلات والطرق، وتطويرها، لأنَ معرفة هذا الأمر مهمة لنقل الإمدادات والموظفين، وكذلك تطوير وسائل التكنلوجيا؛ وخاصة الانترنت فذلك يساعدنا في نشر حملات التوعية الصحية، . وأخيراً، توفير بيئة اجتماعية ــ ثقافية داعمة، والاهتمام بإنشاء نظام صحي قوي، وزيادة الانفاق السنوي على المنظومة الصحية، وتكوين الكوادر الطبية وتدريبها، حتى تكون لديها خبرة مسبقة للتعامل مع وباء الإيبولا. بالإضافة إلى التشخيص المكثف للحالات، واقتفاء أثر مخالطي المريض.

ــ توصيات الدراسة:
نظرا لما يشهده العالم اليوم من تنامي تفشي فيروس كورونا، والخوف من انتشار أمراض وأوبئة أخرى، على الصعيد الدولي. نرى بأنَ الأهمية تتزايد في تكثيف الأنشطة العلمية للوقوف عند هذه الأوبئة، ووكشف تأثيراتها على المجتمعات، لا بل تزداد الحاجة إلى تكثيف الجهود داخل المؤسسات العلمية العربية والإفريقية، لدراسة بعض المقررات ذات الصلة بتاريخ الأوبئة عبر العصور، و كما نتمنى من معاهد ومراكز البحوث الإفريقية في العالم العربي، أن تهتم وتشجيع البحث العلمي الأكاديمي المتعلق بهذا المجال، والذي كان مغيبا للأسف الشديد على مستوى الرسائل العلمية، المنجزة في الجامعات العربية، أو حتى الإفريقية. وكما توصي هذه الدراسة، عموم الباحثين إلى الاهتمام في التوجه في إنجاز قاموس يتضمن أبرز وأهم الأوبئة، والكوارث الطبيعية التي تعرضت لها القارة الإفريقية عبر التاريخ.
ونكتفي في هذا القدر، ونشكركم على حُسن الاستماع، ونكرر شكرنا للقائمين على المحاضرة، ونتمنى من الله أن تكون مداخلتنا مفيدة، وقد حققت الفائدة المرجوة، وأن تثير هذه المحاضرة النقاش لطرح المزيد من الاجراءات الممكنة لتطوير مقاربتنا المقترحة، وتطبيقها بصورة أكمل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.+

شاركنا رأيك

بريدك الإلكتروني مؤمن ولن يتم اظهاره للعلن.