المركز العراقي الافريقي للدراسات الاستراتيجية
الموقع الرسمي

التوافق الإثيوبي الإسرائيلي إلى أين؟ ومتى سوف يتوقف؟

0

لقد رصدت من خلال متابعتي لهذا التوافق بين الدولتين عدة زوايا وهي ” ثقافية – واقتصادية – وأمنية ”

وقد اتحدت هذه الزوايا مع بعضها البعض مكونة ما يعرف بمثلث العلاقات الإثيوبية الإسرائيلية وقد مثلت كل زاوية منهم نقطة ارتكاز حقيقية لا يتمكن هذا المثلث من القيام دون أحدها

وقد وصل الأمر إلى حدود جنونية من ابتزاز المجتمع الدولي والدول المجاورة للدولتين تحديدا – حيث استمر عرض التفاهمات والانحيازات الإيجابية من كل دولة منهما تجاه الأخرى دون دليل حقيقي على عمق ومتانة هذه العلاقات وهل الأمر مجرد مصالح متبادلة أم أنه أمر أكبر من هذا؟

وبدأت التساؤلات المطروحة تجاه هذا التوافق والتجاوب تزداد وتتشكل يوما بعد يوم- هل الأمر مجرد توافق في الرؤى والاختيارات بين الدولتين؟؟؟

أم أن الأمر أكثر من ذلك وقد يعلوا إلى مرتبة التوحد الفكري، والالتقاء الذهني والعقدي الذي يجمع بين الحالتين الإثيوبية والإسرائيلية؟؟ حيث اجتمعت الحالتين حول فكرة عقدية تمييزية نوعا وهي فكرة الاختيار التي شاعت في المجتمعين الإثيوبي والإسرائيلي.

لقد زعم اليهود طوال تاريخهم أنهم شعب الله المختار وكذلك ادعى أفارقة إثيوبيا بأنهم أصحاب الاختيار الأفريقي وأن الاختيار للشعب الإثيوبي هي اللغة السائدة التي عرفها الأفارقة عن الإثيوبيين في حديثهم حيث عبر الكثيرين دوما عن أن الشعب الإثيوبي هو الشعب المختار أفريقيا ، فإذا كان اليهود هم شعب الله المختار دينيا؛ فإن الشعب الإثيوبي هو الشعب المختار أفريقيا ، وإذا كان الأفارقة قد استقر في وجدانهم حقيقة الاختيار الإلهي للإثيوبيين فقد استقر أيضا في وجدان العديد من شعوب العالم أن اليهود هم في حقيقة الأمر شعب الله المختار !!!!

وبدأ السعي من الجانبيين لاستكمال الفكر الواحد والانتماء الواحد، وقد ساهم في تأكيد وتأصيل هذه الفكرة وجود جالية كبيرة من اليهود “الفلاشا” تعيش في إثيوبيا، حيث تميزت بالجمع بين الجانبين العرق الزنجي والانتماء اليهودي، واعتبرت قبائل الفلاشا نفسها حلقة الوصل وأعلى مراتب الاختيار الإلهي في شعوب منطقة الشرق الأوسط والشرق الأفريقي.

فهذه القبائل تجمع بين الملامح الزنجية والاختيار الإلهي الأفريقي ، وبين العقيدة اليهودية حيث الاختيار الإلهي ، وقد تركزت حول هذه القبيلة أعين الباحثين سواء الأفارقة أو اليهود – وذلك على الرغم من منافسة بعض القبائل الأفريقية في هذا الأمر وتشابهت مع قبيلة الفلاشا – سواء قبائل “الليمبا” في جنوب أفريقيا أو قبائل” الإيبو” في نيجيريا أو قبائل “الماساى” في كينيا –إلا أن الوضع في إثيوبيا مختلف تماما وذلك لأن عقيدة باقي هذه القبائل لم تتطرق إلى فكرة الاختيار الأفريقي ولكن ما تم الحديث عنه هو الاختيار الإلهي لليهود عامة وليس الاختيار الأفريقي الذى حظى به شعب التيجراى او الشعب الإثيوبي عموما امام الأفارقة – ويظهر هذا التلويح بالاختيار ونقاء العرق الإثيوبي في كل الاطروحات التاريخية حول تاريخ منطقة البحيرات الاستوائية المعروفة بإثيوبيا – فدائما ما يذكر المؤرخون ان هذه المنطقة لم تخضع الا نادرا للاحتلال الأوروبي – وأن الاحتلال الإيطالي لم يستطع هزيمة الشعوب الأفريقية في هذه المنطقة ولم يمكث إلا قليلا وهنا استسلم العديد من المفكرين والمؤرخين الأفارقة انفسهم لفكرة الاختيار الإلهي الأفريقي الذى تميز به الشعب الإثيوبي بل وطرحه العديد منهم على أنه أمر مسلم به !!!!

فهل عقيدة الاختيار الإلهي لعبت دورا خياليا في منح هؤلاء الأفارقة نوعا متميزا جعل رؤساء آخرين من بعض الدول الأفريقية يسعون لدعمهم ومساندتهم في الانتقال من إثيوبيا إلى إسرائيل امثال هيلاسلاسي – ونميري كذلك الذي حدث تماما مع اليهود حيث ساعد بعض القادة العرب في القرن الماضي قيام دولة إسرائيل سواء بقصد او بدون قصد؟ وذلك تحسبا وايمانا منهم بعقيدة الاختيار الإلهي لليهود أمثال الملك حسين ملك الاردن – والملك فيصل ملك السعودية فيما عرف باتفاق عبد الله وايزمان!!!

وبدأت تظهر في ذهني  بعض التساؤلات المضطردة والمتلاحقة – فهل هناك عقيدة سرية أو باب خفي لسرد تلك التيمة  المجهولة التي يتبناها كل من يدافع عن رفعة شأن وخصوصية هؤلاء البشر من اليهود أو الأفارقة؟؟؟؟؟؟؟

هل انتمى هؤلاء المدافعين لفكر منظم مختلف عن الأفكار السائدة حول العدل والمساواة يجعل من هؤلاء البشر نوعا خارقا من البشرية ولهم كل الحقوق وكل التمييز ولا يضاهيهم أحد – وبالتالي يعد أمر اختيارهم أمرا بديهيا لا يحتاج لدليل ومناقشته دربا من دروب الخيال.

هل أصبح رفعة الشأن الإثيوبي وحالة الاعتداد بالنفس التي يوزعها الإثيوبيين على الداني والقاصي هي أمر مسلم به تماما، كذلك الأمر الذي يوزعه اليهود على العالم أجمع حينما يتحدث أحد عن رفعة اليهود واختيارهم الإلهي وتظهر الاتهامات السريعة والمتلاحقة بمعاداة السامية – والأغرب كيف لمفهوم يشمل شعوبا بأكملها في المنطقة وهو مفهوم الشعوب السامية أن ينحصر حول مصطلح اليهود – وأن أي لفظة تتهم اليهود أو تشكك في رواياتهم تصعد إلى تهمة معاداة السامية؟؟؟

 إن ثمة علاقة فكرية قوية بين النظام الفكري الإثيوبي والنظام الفكري اليهودي أدت في نهاية الأمر إلى ذلك التلاقي المحير والمجهد في تفسيره لمعرفة حجم هذا التعاون والتوافق غير المقنع بين دولتين تتباعد في الجغرافيا والتاريخ حتى والمصالح المشتركة

أما إلى أين سوف يستمر هذا التعاون ومتى سيتوقف؟؟؟

أظن أنه على الجانب الآخر من المعادلة حيث تقف باقي الدول الأفريقية في انتظار المختار الإثيوبي أن ينظر لها نظرة مختلفة – وبالمثل على الجانب الآخر من إسرائيل تقف الدول العربية لتعرف إلى أين سوف تتوقف هذه اللهجة المشتركة بين النظام الإثيوبي والإسرائيلي؟؟؟

لا أعتقد أن هذ اللهجة من الكبرياء والتعنت والتواصل والإحساس بوحدة الهدف بين الأفارقة الإثيوبيين والإسرائيليين أن تتوقف عند المستقبل القريب- وأرى أنها قد تمتد لكثير من الوقت – وذلك لأنها لا تعتمد كما صورها العديد من الباحثين على لغة المصالح المتبادلة – ولكنها لغة فكر وعقيدة ومذاهب – وهذه اللغة قلما تتوقف عن الشحن والتجديد أصدقائي – وأتصور أن في الحالة الإثيوبية الإسرائيلية العلاقات هي فكر ثم فكر ثم عقيدة وليست مصالح – وأتمنى أن يكون تحليلي هذا قد طرح وجهة نظر مختلفة لتفهم ما هو السر وراء امتداد تلك العلاقات لعشرات السنين دون أن تتغير ، ولسوف تستمر ……

شاركنا رأيك

بريدك الإلكتروني مؤمن ولن يتم اظهاره للعلن.