المركز العراقي الافريقي للدراسات الاستراتيجية
الموقع الرسمي

الدور الاسرائيلي في أزمة سد النهضة

0

بالنضر إلى تصاعد التوتر بين ( القاهرة ) و(أديس أبابا)  بخصوص مفاوضات سد النهضة، وبدأ إثيوبيا بالملأ الأول دون موافقة مصر والسودان يغيب عن النضر قضية مهمة وهي قوة الدور الإثيوبي وتعنته في القرارات المنفردة، وهنا ستبادر إلى الذهب سؤال عن سبب انتهاج إثيوبيا لهذه السياسية؟ ويمكن الاجابة على هذا التساؤل: إن إثيوبيا لم تكن منفردة في هذه القرارات بل أن القرار الإثيوبي نتيجة لوقوف أطراف خارجية تدعم هذه الموقف الإثيوبي من أجل تحقيق اهدافها وعند الحديث عن الدعم لملف سد النهضة أول ما يتبادر إلى الاذهان هو الدور والدعم الاسرائيلي صاحبة الحلم في الاستيلاء على مياه النيل سابق على  تأسيس دولة (إسرائيل).

المحور الأول:- فكرة سد النهضة

إن دعم بناء وتطوير السد يعود إلى ما قبل تأسيس الكيان الإسرائيلي، وتحديداً إلى العام 1903 عندما قدّم زعيم الحركة الصهيونية ( تيودور هرتزل)  مشروعاً يسعى من خلاله إلى بناء مستوطنات في ( شبه جزيرة سيناء) تنظم في وقت لاحق إلى المستوطنات في فلسطين المحتلة، إذ سعت المنظمة الصهيونية التي يمثلها هرتزل إلى توطين اليهود في العريش، ولمواجهة مشكلة ندرة المياه في تلك المنطقة، وبناءاً على ذلك اقترح هرتزل على (لانسدون) وزير خارجية بريطانيا، مد أنبوب على عمق كبير تحت ( قناة السويس) لضخ مياه النيل إلى ( شبه جزيرة سيناء)، إلا أنه رفض هذه الفكرة ؛ لتأثيرها على زراعة محصول القطن المصري الضروي للصناعات الانكليزية، بعد الرفض تبنت الولايات المتحدة الأمريكية  فكرة إنشاء السد من أجل ضمان آمن اسرائيل بالاضافة إلى اهداف تسعى الولايات إلى تحقيقها داخل القارة عن طريق اسرائيل.

ولذلك فإن فكرة الدعم الأمريكي لبناء سد النهضة جاءت عن طريق المكتب الأمريكي لاستصلاح الاراضي الذي كان يجري دراسة على نهر النيل الفترة بين 1956- 1964، إذ طرح لأول مرة فكرة بناء سد في موقع سد النهضة تحت ما يسمى بمشروع ( X )  الذي كان مشروعا سريا في بدايته، تطورت الفكرة فيما بعد لتصبح مشرع عرف بـ( مشروع اليشع كالي) إذ قام المهندس الإسرائيلي اليشع كالي في عام 1974 بطرح مشروع تضمن نقل جزء من مياه النيل يقدر ب( 1% ) سنوياً لتزويد المستوطنات الإسرائيلية في ( النقب وقطاع غزة والضفة الغربية) بواسطة أنابيب تمر تحت قناة السويس بجانب منطقة الإسماعيلية المصرية، يصل طولها إلى ( 200) كلم، وفي عام 1977 قام الخبير الإسرائيلي (ارلوزوروف)، بطرح مشروعٍ تضمن شق( 6 قنوات ) تحت قناة السويس تعمل على دفع المياه العذبة إلى نقطة سحب رئيسية، ليتم بعد ذلك ضخ المياه إلى ارتفاع يبلغ عشرات أمتار لتدفع بقوة الثقل نحو ساحل سيناء وعبر أقنية فرعية إلى صحراء النقب. 

وبناءاً على لذلك قامت الحكومة الاثيوبية بتقديم طلب للولايات المتحدة الأمريكية  ببناء السد على النيل الازرق عام 1964 وفق لاتفاق رسمي بين الحكومتين في آب 1957، حدد المكتب الأمريكي (26 موقعا)ً لإنشاء السدود أهمها أربعة سدود على النيل الأزرق الرئيسي وهي: ( كارادوبي، مابيل، مانديا، وسد الحدود (النهضة)، بإجمالي قدرة تخزين (81 مليار م)³، وهو ما يعادل جملة الإيراد السنوي للنيل الأزرق مرة ونصف تقريباً، إلا أن بعض الدراسات الحديثة زادت من السعة التخزينية لسد (سد النهضة) من ( 11.1 مليار م³) إلى ( 13.3 مليار م³).

إن هدف  سعي اسرائيل  إلى الحصول على حصة من مياه النيل ترتبط بالأساس قضية ندرة المصالح الاستراتيجية  الإسرائيلية  إذ تعاني اسرائيل نقصا حادا في مصادرها المائية, لأسباب عدة منها :

  1. أن (60 % ) من الموارد المائية يأتي من الآبار وأن الاستنزاف الشديد لمياه الآبار أدى إلى زيادة ملوحة الأرض ووجود مصادر المياه في الشمال يجعل اسرائيل محملة بتكاليف باهظة لحفظ المياه ونقلها إلى المناطق النائية, مثل: صحراء النقب هذا فضلاً عن زيادة موجات الهجرة اليهودية الكثيفة من دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي.
  2. 2-  إن مشكلة تزايد السكان يمثل هاجسا مزعجا لإسرائيل الأمر الذي يشكل تهديداً كبيراً على الموارد عموما, وعلى المياه بشكل خاص, وهذا ما أكدهُ تقرير “إسرائيل 2020 ” , إذ تسببت الزيادة السكانية في (إسرائيل)  في تناقص المعدل الذي يحصل عليه الفرد من المياه العذبة المتجددة سنويا من 1229 م3 للفرد عام 1955 م, إلى( 461 م3) للفرد/ عام 1991 م, ومن المتوقع أن يقل هذا المعدل إلى ( 264 م3) للفرد/ عام 2025 م.

ومن أجل ضمان آمنها القومي والحصول على حصتها من مياه النيل. عملت اسرائيل على إحكام طوق  الهيمنة على منابع النيل  عن طريق عدة استراتيجيات:-

  1. إستراتيجية ( شد الأطراف)  وذلك بإقحام الدول العربية في صراعات جانبية مع دول أخرى غير عربية في دائرة الجوار الجغرافي وذلك بهدف جذب دول منابع النيل ورائها لاسيما (مصر والسودان) إلى صراعات جانبية بعيدا عن الصراع الرئيس بين العرب (واسرائيل).  
  2. كما اعتمدت اسرائيل استراتيجية  (بلقنة المنطقة ) والذي تستهدف غرس حالة التجزئة لدول منابع النيل وتعميقها نحو مزيد من تفتيت هذه  الدول إلى دويلات صغيرة على أسس عرقية وطائفية ومذهبية. وفقا لذلك عملت اسرائل محاصرة مصالح الافارقة وتهديد الأمن المائي لدولتي مصر والسودان عبر الوصول إلى منابع نهر النيل عن طريق إثيوبيا. كما إن تعزيز علاقات اسرائيل مع الدول المتحكمة بمياه النيل يعد تهديدا للأمن القومي المصري، ومحاولة اسرائيلية  للتأثير على صانع القرار السياسي المصري، من خلال توظيف الأمن المائي كورقة ضغط على الجانب المصري للحصول على تنازلات في مجالات عدة. 
  3. كما استمرت اسرائيل بالضغط على  مصر عبر ملف مياه النيل, بالنظر الى اتفاقية “اليونيدو” يتضح أنها تركز على دعم قدرات دول أفريقيا في مجالات الزراعة والموارد المائية, اذ شاركت اسرائيل في اقامة مشاريع زراعية استثمارية على أرض دول حوض النيل برأسمال يقدر بحوالي ) 800مليون دولار) أمريكي وتصدير الآلات الزراعية ومنتجات صناعية يرافقها عدد من الخبراء والفنيين, وعلى اثرها قامت الحكومة الاثيوبية بأنشاء عدد من المشاريع المائية منها مشروع سد فيشا الذي يقوم على احد روافد النيل الأزرق, ومشروع ليوبارد على نهر السوباط ومشروع سنت على أحد روافد نهر عطبرة. 

وبناءاً على رفض الحكومة المصرية لبناء السد العالي على النيل الازرق عام 1964 بدأت إسرائيل بالضغط على مصر بشكل غير مباشر وذلك عن طريق التغلغل في دول منبع النيل وتقديم الدعم اللازم لاثيوبيا من أجل بناء سد النهضة ، وبذلك تكون الولايات المتحدة مهدت الطريق امام اسرائيل من أجل لعب الدور الابرز في بناء سد النهضة، إذ  أعلنت الحكومة الإثيوبية في شباط 2011، عن عزمها إنشاء سد (بودر) على النيل الأزرق، والذي يعرف أيضا بـ سد (حداسه)، على بعد( 20-40 كم) من الحدود السودانية بسعة تخزينية تقدر بحوالي (16.5 مليار م³)، وإسناده إلى شركة ساليني الإيطالية بالأمر المباشر، وأطلق عليه مشروع (إكس) وسرعان ما تغير الاسم إلى سد (الألفية الكبير)، ووضع حجر الأساس في 2 أبريل 2011، ثم تغير الاسم للمرة الثالثة في نفس الشهر ليصبح (سد النهضة الإثيوبي الكبير) لتوليد الطاقة الكهرومائية (5250 ميجاوات) على النيل الأزرق بولاية (جوبا- بني شنقول – قماز)، غربي إثيوبيا وعلى بعد نحو(20-40 كيلومتر) من حدود إثيوبيا مع السودان بتكلفة تبلغ نحو( 4.8 مليار دولار).

المحور الثاني:- واقع سد النهضة

إن بناء لسد النهضة لايخلو من الفوائد لدولة إثيوبيا ولكن في الوقت نفسه يحم لعدة اضرار على دول المنبع الاخرى وخصوصا مصر السودان ومنها:-

 أولاً:- فوائد سد النهضة

  1. بالنسبة لاثيوبيا، ستتمكن من توليد (6450 الالاف ) ميغابايت من الطاقة الكهربائية سنويا. وبذلك تصبح  إثيوبيا أكبر مصدرة للطاقة في أفريقيا. كما سيسهم السد في زيادة الاستثمارات في البلاد، وتوصيل البنية التحتية في عدد كثير من المناطق الفقيرة وزيادة الإيرادات عبر صادرات كهرباء السد. كذلك تنمية الاقتصاد المحلي، إذ ينشئ المشروع لشبكة تجارية جديدة قرب المنطقة. كذلك تطوير أنشطة صيد الأسماك، حيث سيخلق السد سعة تخزينية، ما يوفر فرص عمل متصلة بالصيد مايساعد على تنويع وزيادة توفير الغذاء للسكان المحليين. هذا فضلا عن الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عبر إنتاج طاقة نظيفة ومتجددة غير مضرة بالبيئة. وتحسين واقع الكهرباء لسكان إثيوبيا ، لان امدادات الكهرباء  تصل لمناطق محدودة حيث يبلغ نسبة المستفيدين من الكهرباء من عدد السكان الاجمالي (42 مليون)، ممايعني أن (68 مليون) اثيوبي من سكان البلاد يعيشون في ظلام دامس، فقد بلغ متوسط استهلاك الفرد سنويا للكهرباء في اثيوبيا (69 كيلوواط) ، بينما في مصر (1600كيلو واط) ، إضافة إلى تراجع نصيب الفرد الكهربائي في اثيوبيا إلى ترتيب: ( 141 من أصل 144 دولة) كما ذكر ذلك تقرير التنمية العالمية 2019، مما يبين لنا مدى احتياج اثيوبيا الشديد لبناء السد، هي في دوامة حرب كبيرة مع الفقر ، بل وتسعى جاهدة للحد منه حيث تهدف اثيوبيا إلى رفع نصيب الفرد من الكهرباء، خصوصا وأنها مقبلة على تنمية كبيرة للبلاد في القطاعات الصناعية والخاصة والتعليمية والقطاعات الأخرى ، فلا تزال اثيوبيا تعتمد بشكل كبير على الزراعة التي تمثل (85٪) من موارد البلاد، مما يعني أن بناء سد النهضة سيحدث قوة اقتصادية ،ويُحوّل من الواقعالمعيشي لشكل أفضل.
  2. اما بالنسبة للسودان، سيتمكن أخيرا من استغلال كامل حصته في مياه النيل البالغة( 18 مليارًا) و(500 مليون) م3، وتذهب حوالي ستة مليارات م3 من حصة السودان لمصر مجانا لضيق مواعينه التخزينية، لكن بعد سد النهضة يمكن تخزين متبقي حصته للاستفادة منها في موسم الجفاف بحسب  المصدر ذاته، كما ان اكتمال السد الإثيوبي سيتمكن من زراعة ثلاثة مواسم بدل الموسمين الشتوي والصيفي، فضلا عن زيادة الكهرباء المولدة في كل سدود السودان، فضلا عن  أن خطر فيضان النيل الذي طالما هدد السودانيين سينتهي بعد اكتمال سد النهضة، لأنه سيتحكم في حوالي (700 ـ 800) مليون م3، تمثل إيراد النيل الأزرق اليومي في موسم الفيضان، لتنخفض إلى نحو( 200 مليون) م3 يوميا.

ثانياً:- الأضرار

  1. حرمان مصر من (5 مليارات) م3 من المياه سنويا، تصف مصر السد بالتهديد الوجودي لأنها تُعاني من ندرة مائية بحسب تصنيف البنك الدولي، وتعتمد بشكل أساسي على مياه نهر النيل في تلبية (95 %) من احتياجاتها المائية، إذ تحصل سنويا على حصة من مياه النيل تقدر بـ(55,5) مليار م3.
  2. ملء السد يدخل مصر في مرحلة الجفاف المائي، غير أننا نستطيع أن نتنبأ ببعض هذه المخاطر في ضوء ما رشح من معلومات. حيث رفضت إثيوبيا اقتراحا مصريا بالحصول على( 40 ملياراً ) م3 من إجمالي ( 49 ملياراً) هي حجم مياه النيل الأزرق، لكن إثيوبيا رفضت المقترح المصري وأصرَت على( 31 ملياراً ) فقط، ما سيؤدي، وفق أكثر السيناريوهات تفاؤلا، إلى اقتطاع ( 19 مليار ) م3 من حصة مصر المائية التي لا تعترف بها إثيوبيا، لملء الخزان الذي يسع (75 ملياراً )، بالإضافة إلى( 25 ملياراً ) أخرى سوف تفقد في الفوالق الأرضية، كما سيتم تعويض العجز في حصة مصر من المخزون الحي لبحيرة ناصر الذي سينفد في غضون ثلاث أو أربع سنوات، على أقصى تقدير، وستكون مصر معرّضة للخطر في سنوات الجفاف كما كان الحال قبل بناء السد العالي. وتتوقف توربينات توليد الكهرباء التي تنتج ( 1800 ميغاواط).
  3. يعرض مصر لفقدان أكثر من مليون وظيفة، يقول سامح شكري، وزير خارجية مصر، في خطابه إلى مجلس الأمن، إن انخفاض حصة مصر من مياه نهر النيل بمقدار مليار متر مكعب فقط سيؤدي إلى فقدان (300 ألف) فدان من أخصب أنواع الأراضي الزراعية في العالم، وفقدان( 200 ألف) أسرة لمصدر رزقها، وكذا فقدان وخسارة قدرها ( 430 مليون دولار) في الإنتاج الزراعي، وزيادة كلفة الاستيراد إلى ( 19 مليار دولار)، وهو ما لا تطيقه موازنة الدولة الغارقة في الديون الخارجية والداخلية، انخفاض حصة مصر من ( 55.5 مليار) م3 إلى ( 35 ملياراً) سيصيب الحياة في مصر بالشلل، ووفق تعبير الدكتور علاء النهري، نائب رئيس هيئة الاستشعار عن بُعد، التابعة لوزارة البحث العلمي في مصر، والذي أشرف على دراسة علمية للآثار السلبية لسد النهضة الإثيوبي على مصر، وتوصل إلى ” أن فقد (4.5 مليارات) م3 سوف يؤدي إلى تبوير (مليون فدان)، وفق تصريحه لصحيفة الوطن في 19 كانون الثاني 2016.

المحور الثالث:- الدعم الإسرائيلي لملف سد النهضة

  ان الدور الذي قدمته اسرائيل في تمويل ودعم فكرة وبناء سد النهضة كان على عدة أشكال منها:-

أولا:- دعم السياسي/ الدبلوماسي.

جاء الدعم في بدايته دبلوماسي من خلال جولة زيارات  نتنياهو – كينيا وإثيوبيا وأوغندا ورواندا – دول حوض النيل التي تؤيد مشاركة مصر والسودان لموارد مياه نهر النيل. وبالتالي ، فإن زيارة نتنياهو لهذه الدول تتماشى مع جهود إسرائيل الحثيثة لقلب دول المنبع ضد دول المصب ، وخاصة جمهوريتي (مصر والسودان). يمكن لإسرائيل تحقيق ذلك من خلال تغذية وإذكاء الخلافات مع دول حوض النيل في محاولة لزيادة نفوذها بين الدول التي تحكم منبع النيل ، مع التركيز على إقامة مشاريع زراعية مصممة لسحب المياه من (بحيرة فيكتوريا) المملوكة بشكل مشترك مع عدة دول شرق أفريقيا. علاوة على ذلك ، تسعى إسرائيل إلى تصوير مصر والسودان على أنهما الدولتان الوحيدتان المستفيدين من مياه النيل. 

رغم أن علاقة إسرائيل بكينيا أقدم من علاقتها مع إثيوبيا، إذ تعتبر كينيا قاعدة رئيسية تراقب إسرائيل من خلالها ما يجري في المنطقة الأفريقية، لذلك تحاول إسرائيل ضمان أمنها المائي في المستقبل والحصول على حصة مضمونة من مياه نهر النيل من خلال دعمها لمشروع السد، لذلك وعد نتنياهو بدعم إثيوبيا على الاستفادة من مواردها المائية في تطوير الزراعة وتزويد البلاد بالتكنولوجيا الإسرائيلية.

بالرغم من أن وسائل الإعلام المصرية قللت من الآثار السلبية المحتملة لدور إسرائيل في المصالح المصرية في حوض النيل ، إذ تحتفظ مصر بثماني سفارات في جميع دول الحوض ، في حين أن الوجود الدبلوماسي الإسرائيلي في نفس الدول محدود مقارنة السفارات في ثلاث دول فقط ، وهي: ( إثيوبيا وكينيا وأوغندا)، لكن وراء الكواليس في مصر ، سيكون هناك العديد من الانعكاسات السلبية على دعم إسرائيل فيما يتعلق بالأمن المائي لمصر ، لا سيما في ظل وعود نتنياهو لمجلس النواب الإثيوبي بدعم إثيوبيا في الاستفادة من مواردها المائية. يتطلب التخفيف التدريجي للأثر السلبي المحتمل تدخلاً مصريا ضد تقارب المصالح بين مختلف الأطراف الإسرائيلية والمصرية والأفريقية. 

 كما عقد اتفاقيات مشتركة ففي السادس من حزيران عام 2016 قام رئيس الوزراء الإثيوبي السابق (هايلي مريام ديسالين) بزيارة إسرائيل وكان الاستقبال الكبيرة تعكس قدر الترحيب الإسرائيلي بهذه الزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو) الذي استقبل نظيره الإثيوبي حينها بحفاوة واحترام كبيرين، مصطحبا : (وزير الزراعة وزير الزراعة والموارد الطبيعية الإثيوبي)، ووقعا على اتفاقيات عدة تتعلق بالزراعة والتنمية بين البلدين، إلى جانب وزير الزراعة والموارد الطبيعية، كلاً من وزراء الخارجية، والدفاع، ووزير المياه والطاقة والكهرباء، ونائب وزير العلوم والتكنولوجيا، وهي تشكيلة تعكس رغبة إثيوبيا في تطوير العلاقات مع إسرائيل على أصعدة مختلفة، يبدو أهمها التكنولوجيا والمياه والزراعة.

كل ذلك لم يكن وليدة الصدفة، قبل ذلك بعام واحد قام نتنياهو بزيارة وصفها بـ “التاريخية” إلى أديس أبابا، خطب في حينها أمام البرلمان الإثيوبي قائلاً: “اليوم أفتخر بأن أعلن بأن إسرائيل عادت إلى إفريقيا بكل قوة”. خلال تلك الزيارة كانت أنظار نتنياهو تتجه نحو مصادر المياه في إثيوبيا، والمساحات الشاسعة للأراضي الزراعية، وكان محور المباحثات في تلك الزيارة يتعلق بالمياه والزراعة والسياحة والإعلام والتطوير التكنولوجي، بحسب صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية.

ثانيا:- دعم فني.

جاء الدعم في المستوى الثاني على شكل عمل فني من أجل تطبيق الاتفاقيات المشتركة والبدء بالخطوات الفنية عن طريق تدريب المهندسين واسداء المشورات لما تمتلكه اسرائيل من خبرات سابقة، فقد اكد وكيل أول وزارة الموارد المائية والكهرباء السوداني السابق المهندس( حيدر يوسف) إن ” تل أبيب تقف وراء فكرة سد النهضة”، مشيراً إلى أن القانون الدولي يمنح إسرائيل حقاً في الحصول على مياه نهر النيل حال أنشأت كياناً اقتصادياً مع دول المنبع، “وهو ما تسعى إليه، إذ تخطط منذ أمد بعيد للاستيلاء على مياه النيل، وأكد أن لدى إسرائيل  “طابقاً كاملاً في وزارة الموارد المائية والكهرباء في (أديس أبابا)، فضلًا عن تدريب( 500 ) مهندس ري إثيوبي في تل أبيب، كما تم توقيع اتفاقية بين وزارة الكهرباء الإثيوبية وشركة (تل أبيب) لإدارة كهرباء إثيوبيا.

ثالثاً:- دعم عسكري.

وصل الدعم الإسرائيلي لإثيوبيا إلى تحصين سد النهضة الإثيوبي، ومساعدة أديس أبابا على حماية سدها الذي قد يتعرض في أسوأ الأحوال إلى هجمات في حال فشل المفاوضات مع مصر والسودان، وهذا ما شفته موقع “تيك ديبكا ” الاستخباري الإسرائيلي في تموز عام 2019 ، وعلى الرغم من نفي إسرائيل بتحصين سد النهضة الإثيوبي المنظومات الصاروخية لكن الموقع أكد هذا الخبر وذكر الموقع أن طواقم من ثلاثة مصانع متخصصة في الصناعات العسكرية والدفاعية والجوية في إسرائيل أنهت مؤخراً 2019 العمل على نصب منظومات دفاعية جوية متطورة من طراز( Spyder-MR ) حول سند النهضة الإثيوبي، كما اكدت مصادر استخباراتية وأمنية إسرائيلية القول: إن “تل أبيب بدأت في نصب المنظومات الدفاعية حول سد النهضة في شهر أيار، واستغرق الأمر نحو شهرين ونصف من العمل المتواصل”.

وأشار إلى أن شركة الصناعات الدفاعية الإسرائيلية “رفائيل” وفرت لإثيوبيا منظومة “بيتون” الدفاعية وكذلك منظومة “ديربي” وهي من صناعة محلية إسرائيلية، في حين وفرت الصناعات الجوية الإسرائيلية شاحنات خاصة تحمل المنظومات الدفاعية، وتؤكد المصادر الإسرائيلية أن منظمة ( Spyder-MR) الدفاعية الجوية هي المنظومة الوحيدة في العالم التي بإمكانها إطلاق صاروخين من طرازين مختلفين معاً، وهما “بيتون” الذي يصل مداه إلى خمسة كيلومترات، و” ديربي” الذي يصل مداه إلى خمسين كيلومتراً.

المحور الثالث:- مآلات سد النهضة على النفوذ الإسرائيلية في القارة الافريقية

في ضوء ما ذكر سابقا يمكن الاستنتاج أن مآلات سد النهضة على النفوذ الإسرائيلي في القارة  يتمثل في جانبين: الأول ( استراتيجيا)، إذ تعمل إسرائيل على تقوية الجانب الإثيوبي ضد الجانب المصري، كما قال المحلل السياسي عبد المنعم حلاوة إن “إسرائيل تعمل جاهدة لتقوية علاقاتها مع الدول الإفريقية خاصة مع إثيوبيا”. “الشيء المؤكد هو أن إسرائيل تكسب الأرض في أي مكان تنسحب فيه مصر ، خاصة في هذه القارة التي اعتبرت منذ عقود امتدادًا طبيعيًا لمصر، كما اكد وزير الري المصري السابق (محمد نصر الدين علام) أن ” العدو الاستراتيجي يستخدم جميع أدوات سياسة العصا والجزرة في أزمة سد النهضة، إذ قالت بريطانيا منذ زمن بعيد ” إن نهر النيل أهم شيء للمصريين، وإذا أردت أن تضيق عليهم الخناق إقفل الحنفية”، وهم يريدون حالياً استخدام هذا السلاح. هذا من جهة، كماوجدت إسرائيل خلال حالة الربيع العربي فرصة ثمينة للانخراط في تعاون واسع مع شرق إفريقيا وإنشاء قواعد أمنية وعسكرية واقتصادية من جهة اخرى. لطالما كانت العلاقات قائمة بين إسرائيل ودول شرق إفريقيا، استفادت الأولى من وجود تهديدات أمنية إقليمية. من المحتمل أن تكون زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإثيوبيا تشير إلى دعم إسرائيل السري (لأديس أبابا) في وقت بدأ فيه سد النهضة بتخزين المياه دون موافقة مصر ؛ وهذا يؤكد جدية التحدي الذي تواجهه مصر ، مما يدل على أن جدالها مع إثيوبيا بشأن السد ليس تقنياً بل يتعلق بالأهداف السياسية الإقليمية المهمة.وهو مايؤكد رغبة اسرائيل في السطو على نسبة من مياه النيل. وهوما ضهر جليا في الدعم السياسي والدبلوماسي من قبل (تل أبيب) والذي تزامن مع توقيع العقود الخاصة بالدراسات الفنية حول سد النهضة. كما تشكل استراتيجية إسرائيل الأخيرة في شرق إفريقيا جزءًا من الصراع العربي الإسرائيلي وجزءاً من العقيدة الأمنية الإسرائيلية القائمة على الاستحواذ المشروع والسيطرة على المنطقة. كما يقوم على تطويق الدول العربية وحرمانها من النفوذ في أي منطقة تعتبر واعدة في مجالات التجارة والاستثمار. 

وفي الجانب الثاني ( السياسي)، عن طريق  تعزيز نفوذها السياسي في المنطقة يقول الكاتب في موقع “ميدا” الإسرائيلي للأبحاث (ياغفاني كلابر): إن ” أزمة سد النهضة أتاحت لإسرائيل فرصة كبيرة للتدخل كوسيط بين مصر وإثيوبيا وغيرها من دول المصب”، كما أن الأزمة ” تُرجح كفة إسرائيل على حساب الفلسطينيين في قضايا مختلفة أيضاً “، فضلاً أن العلاقات المصرية الإسرائيلية ما بعد أزمة سد النهضة تزداد عمقاً في ظل خشية مصر من تأثير إقامة السد وانعكاساته الاقتصادية عليها، إذ سعت إلى توثيق علاقاتها بإسرائيل التي من شأنها أن تستثمر بعلاقاتها مع (أديس أبابا) لتخفيض الانعكاسات السلبية وتقليل المخاطر، إذ سيجد السيسي نفسه مضطراً لتعميق علاقاته بإسرائيل حتى لو كان ذلك على حساب الفلسطينيين لأنها تلعب دوراً في المفاوضات”، كما تعتقد إسرائيل من خلال دورها في أزمة سد النهضة ستربح بقاء مصر إلى جانبها فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، تل أبيب تتوقع أن يبقى السيسي مؤيداً لموقفها خاصة بما يتعلق بسيطرة حركة حماس على قطاع غزة ، في السيسي يرى التهديد الأكبر المتمثل بسد النهضة يجعله أكثر قرباً للموقف الإسرائيلي، كما أكد موقع  (مكور ريشون)  الإسرائيلي كشف في نسان 2018 عن توجه مصر رسمياً لإسرائيل بطلب لمساعدتها في حل أزمة سد النهضة، مشيراً إلى أن القاهرة أوضحت لتل أبيب بأنها وبعد تدخلها في ” مسيرات العودة بقطاع غزة، وتأييدها لمخطط السلام الذي يقوده الرئيس الأمريكي ترمب، فإنها تتوقع من إسرائيل مساعدتها في المباحثات مع إثيوبيا “، كما يؤكد الباحث في مركز القدس للاستراتيجيات والأمن ( عيران ليرمان) إن ” إسرائيل تستطيع في ظل الأزمات المحيطة بمصر مد يد العون للقاهرة لرفع أسمها من جديد، وذلك من خلال منحها دوراً كبيراً في الوساطة بين الإسرائيليين والأمريكيين من جهة والفلسطينيين من جهة أخرى من أجل تنفيذ صفقة القرن”.

 واخيراً فان ازمة سد النهضة ستعمق العلاقة بين القاهرة وتل ابيب ، وهذا ما اكدته دراسة أعدها (أوفير فينتر) لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي دراسة تشير تحت عنوان ( أزمة المياه في أرض النيل.. من أزمة إلى فرصة )، موضحا أن الأزمة خلقت ظرفاً باتت فيه مصر بحاجة ملحة إلى التعاون مع إسرائيل على صعد مختلفة أهمها ما يتعلق بالاقتصاد والمياه، موضحا إلى أن أزمة سد النهضة ستفتح مجالاً كبيراً للتعاون بين مصر وإسرائيل بما يتعلق بالري والزراعة، خاصة أن إسرائيل تمتلك خبرة واسعة في هذه المجالات، وقد سبق أن استعانت تل أبيب بخبرتها في إدارة موارد المياه لتحسين علاقاتها مع الأردن،  وهذا ما تستطيع فعله تماماً مع مصر، وأن مساعدة إسرائيل لمصر من شأنها أن تعود بنتائج إيجابية كبيرة على إسرائيل، فضلاً عن العائدات الاقتصادية  ستربح إسرائيل ثقة مصر الأكبر بعد ذلك بمعاهدة السلام معها، وكذلك ستنجح في تعميق أواصر العلاقات بين الشعب الإسرائيلي والمصري وكذلك العلاقات بين المستويات السياسية والأمنية المختلفة بين البلدين، كما ان الأزمة قد تعيد إحياء مبادرة تزويد إسرائيل بمياه النيل مجدداً، داعياً الجهات المعنية في تل أبيب إلى البدء في تشكيل لجان متخصصة لبحث الأمر وتحقيقه.

المراجع:

  1. مهند عبد الواحد النداوي، اسرائيل في حوض النيل دراسة في الاستراتيجية الاسرائيلية، ط1، دار العربي للنشر، القاهرة، 2013.
  2. شروق طارق، سياسة المياه: إثيوبيا ومصر واسرائل، 9تموز 2020، متاح على الرابط التالي: ( 4:8pm- 17/10/2020):
https://tribune.com.pk/article/97087/the-politics-of-water-ethiopia-egypt-and-israel
  • محمود فاروق، مفاوضات سد النهضة وجهة نظر مصرية، معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى، 29 تشرين الثاني، 2019، متاح على الرابط التالي: ( 3:45pm- 17/10/2020):
https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/the-renaissance-dam-negotiations-an-egyptian-view

شاركنا رأيك

بريدك الإلكتروني مؤمن ولن يتم اظهاره للعلن.