المركز العراقي الافريقي للدراسات الاستراتيجية
الموقع الرسمي

” الشرطة الشبح: الأمن الخاص والعنف فى المناطق الحضرية فى دولة جنوب إفريقيا “

0

REVIEW OF

Twilight Policing: Private Security and Violence in Urban South Africa          

BY Tessa G. Diphoorn, Oakland, California : University of California Press, 2016

أولاً: هيكل الكتاب ومؤلفه.

يرجع تأليف الكتاب للدكتورة تيسا ديبهوورن وهى حالياً أستاذ مساعد في قسم الأنثروبولوجيا الثقافية في جامعة أوتريخت بهولندا. وفي بداية 2017 بدأت في مشروع بحثي جديد حول “الحفاظ على الأمن والشرطة في كينيا: تحليل سلطة الدولة من الداخل”. وفي وقت سابق أجرت أبحاث إثنوغرافية واسعة النطاق حول الأمن الخاص في جنوب أفريقيا.

واحد من تلك الأبحاث الكتاب الحالى محل العرض بعنوان “شفق الشرطة: الأمن الخاص والعنف في المناطق الحضرية جنوب أفريقيا”، وقد نٌشر من مطبعة جامعة كاليفورنيا (2016). كما عملت كباحث ما بعد الدكتوراه في جامعة أمستردام، حيث أجرت أبحاثاً على تجمعات الأمن القطاعين العام والخاص في كينيا، وإسرائيل، وجامايكا. حصلت على شهادة البكالوريوس في الأنثروبولوجيا الثقافية وماجستير في الدراسات النزاعات وحقوق الإنسان من جامعة أوتريخت.

فيما يتعلق بنص الكتاب، فإنه يتكون من مقدمة وسبع فصول وخاتمة حول مفاهيم أساسية وهى القوة السيادية والسلطة العامة والقهر coercion والترتيب الاخلاقى moral ordering والأمن القومى والأمن الخاص والعنف والحضر أى المساحات المُدنية. وإلى أى مدى يمكن قراءة ممارسات شركات الأمن الخاص فى مثل تلك المساحات بخصائصها المتمايزة. كما تحاول تيسا فهم الاستراتيجيات والاقترابات الشرطية فى التعامل مع المجال العام والجريمة القائمة على أنماط جديدة من الأمن والعنف المٌستحدث.

حاججت تيسا أنه لفهم الجهاز الشرطى الحكومى وغير الحكومى أنه من الضرورى النظر إلى عدد من عوامل هيكلية فى دولة ومجتمع جنوب إفريقيا. واحدة من أهم تلك العوامل هى “العرق” بإعتباره عنصر لامفر منه فى الحياة اليومية لتفاعلات الدولة والمجتمع معاً فى جنوب إفريقيا. ويعتمد ذلك على طرح عدد من التساؤلات المتمثلة فى:

•    كيف يمكن الإقتراب من قضية العرقيات فى جنوب إفريقيا؟

•    كيف يمكن تحديد ومناقشة وفهم قضية العرقيات فى جنوب   إفريقيا؟

•    كيف يمكن قراءة أثر مسألة التنوع على مفاهيم الأمن؟

•    وإلى أى مدى سمح التنوع العرقى بفتح المجال لنمو وتزايد شركات الأمن الخاصة ومن ثم التعامل مع معدلات التفاقم فى العنف الحضرى urban violence؟

فالسياسات القائمة على العرق المعروفة بسياسات الفصل العنصرى على نحو قانونى أثرت على إمكانيات تصنيف المجتمع فى دولة جنوب إفريقيا إلى أربع مجموعات عنصرية قائمة حتى الآن وهم كالتالى:

•    البيض الأوروبين white-Europeans.

•    الملونين colored.

•    الآسيويين Asians.

•    الأفارقة الأصليين (السود) Blacks/Natives/Africans.

فمصطلح الأصليين يشير إلى غير البيض، وتذكر تيسا أن تلك المصطلحات ستستخدمها فى نص الكتاب كما جاءت على ألسنة المجتمع نفسه. فالكل فى مجتمع جنوب إفريقيا مازال متمسك بتحديد هويته على هذه الشاكلة. وهذا ما اكتشفته عندما أجرت مقابلات مع جماعات الضباط الأستجابة المسلحة  Armed Response Officers.

التابعة لشركات الأمن الخاصة والشرطة غير الحكومية، حيث استمروا فى استخدام مصطلحات الأسود والأبيض والملون والهندى والآسيوى وأن مثل تلك التسميات متعارف عليها ومقبولة للتعريف الفرد ذاتيته وهويته.

ثانياً: الشرطة الغسقية/الشبح: صناعات الأمن الخاص ومفاهيم السلطة والشرعية للدولة.

  يرتكز الكتاب بالأساس على عمليات خصخصة قطاع الشرطة وتاريخ نشأت الشركات الأمن الخاصة بإعتبارها واحدة من أضخم الصناعات القائم عليها الاقتصاد فى دولة جنوب إفريقيا. بالإضافة إلى محاولة فهم التفاعلات الجارية والمتراكمة بين شركات الأمن الخاصة أو ممولى ومقولى الأمن providers أو القطاعات الشرطية غير الحكومية أو صناعة الأمن الخاص من جانب ومؤسسات الدولة وأجهزة الأمن الحكومية من جانب أخر. ترى تيسا أن تلك القراءة ربما لا تستقم إلا من خلال السماح برؤية تلك التفاعلات من أعلى إلى أسفل أى انتهاج مسار تفاعلاتى من القمة إلى القاعدة top-down approach.

ربما تلك العناصر المتعددة وشبكة التفاعلات بين صناعة الأمن الخاص والدولة من ناحية والمجتمع من ناحية أخرى بزغ عنه مفهوم أو مصطلح اسمته تيسا “بالشرطة الغسقية أو الشرطة الشبح أو غسق الشرطة twilight policing” وهو مصطلح يشير إلى الممارسات الشرطية الإقصائية والإنضباطية والعقابية التى أدت فى نفس الوقت لتقويض الدولة وتدعيمها على نحو متوازى التأثير.

وترى تيسا أن السير فى الشوارع الحضرية/المٌدنية فى دولة جنوب إفريقيا سيجعل المرء سهل عليه أن يلاحظ مستوى الضخامة التى وصلت إليها صناعة الأمن الخاص وشركات الأمن، حيث أصبح من الصعب عدم ملاحظة أو تجنب تلك الظاهرة بإعتبارها من أهم العناصر المؤثرة فى المجال العام والسلطة العامة لدولة جنوب إفريقيا من جانب وهياكل المنظومات الاجتماعية لمجتمع جنوب إفريقيا من ناحية أخرى خاصة فيما يتعلق بالعنف والجريمة والممارسات الشرطية مع المجتمعات الفرعية المحلية.

فمعظم الشوارع –كما لاحظتها تيسا- حُددت بأسوار عالية مٌسيجة Gated walls والأسلاك الشائكة والأسوار الكهربائية والكاميرات القائمة على نظام مراقبة الدوائر المغلقة Closed-Circuit Television Camera (CCTV)  وبالطبع كل ذلك يحمل ترميزات (رموز) وشعارات العديد من شركات الأمن الخاصة المتنافسة.

فوفقا للكتاب، تٌعد دولة  جنوب إفريقيا واحدة من أعلى الدول التى تمتلك عدد ضخم من شركات الأمن الخاص ومن ثم ضباط الأمن الخاص والشرطة غير الحكومية، حيث أصبح عدد هؤلاء أضعاف عدد ضباط أجهزة الأمن والشرطة الحكومية الرسمية للدولة. ففى مشهد هزلى –كما تصوره تيسا- نجد أن شركات الأمن الخاصة هى المسئول الأول والأوحد عن تأمين وحماية مراكز وأقسام الشرطة الرسمية للدولة عبر جمهورية جنوب إفريقيا بأكملها.

ففى كثير من الأحيان، ربما تلاحظ –وفقا للكتاب- أن ضباط شركات الأمن الخاصة والشرطة غير الحكومية تتحرك فى مساحات الحضر/ المُدن فى شاحنات ومدرعات تشبه نظيرتها المُستخدمة من قبِل أجهزة الأمن والشرطة الحكومية الرسمية. وهذا ما دفع العديد من المجتمعات الأهلية والمجتمع المدنى فى جنوب إفريقيا تنظر إلى شركات الأمن الخاصة على أنها عبارة عن “شرطة الشرطة Their Police”.

 لأنها مٌهتمة بالتعاون وحماية مؤسسات الدولة وأفراد الأمن سواء كانوا شرطة أو جيش أو مخابرات، بالإضافة إلى حماية ممتلكات رجال الأعمال والمستثمرين المُقربين من الدولة وذوى المصالح المتشابكة مع الحكومة والسلطة العامة.

فوفقا لكون دولة جنوب إفريقيا من الدول ذات الريادة المطلقة فى صناعة الأمن واقتصاديات الاستخباراتية. وعليه، ترى تيسا أن ذلك يضفى على المجال الحضرى فى جنوب إفريقيا خصوصية؛ لأن الهياكل الشرطية غير الحكومية Non-policing state bodies تشكل على نحو بارز عمليات الحوكمة وكيفيات الإدارة فى المجال الحضرى فى جنوب إفريقيا.

وبالتالى ترى تيسا أن تنامى ظاهرة الشرطة غير الحكومية وصناعة الأمن الخاص نتج عنها العديد من التساؤلات المطلقة ومفتوحة العنان حول:

•    إلى أى مدى أصبح هناك آليات منظمة لخلق العنف فى المجال العام والعمل على نزع أو إنعدام الأمن لطرح خطاب الحاجة الحرجة للمزيد من شركات الأمن الخاصة؟

•    وكيف يمكن لتلك الشركات والصناعات الخاصة أن تعمل على إعطاء أم نزع أم تماهى مفاهيم السلطة والشرعية للمؤسسات الحكومية؟

وهنا تحاول تيسا من خلال فصول الكتاب أن تعمل على البحث عن العلاقات التوريطية بين الشرطة الحكومية وغير الحكومية التى ينتج عنها ممارسات تعسفية وانقسامات وسيطرة على كلا من المجال العام والمجال الخاص سواء فيما يتعلق بمن لديه القوة والشرعية والسيطرة على آليات الإدارة وتشكيل آليات السوق وفقا لمصالح الاقتصاديات الناجحة والأقوى.

ثالثاً: المنهاجية الأثنوغرافية: قراءة ممارسات ضباط الاستجابة المسلحة وخلق العنف الحضرى.

وعليه،رأت تيسا أنه من خلال المنهاجية الأنثوغرافية Ethnographic Methodology يمكن تفكيك ومحاولة فهم الممارسات اليومية everyday life practices  للأجهزة الأمنية الحكومية وغير الحكومية (الخاصة) وعلاقاتهما ببعضهما البعض. فالمنهاجية الأنثوغرافية تسمح المجال بدراسة وفهم ممنهج حول الناس والثقافة لاستكشاف أثر الظواهر المجتمعية الجديدة على الهيكل الاجتماعى ونظام السلطة العامة وإطار العنف والممارسات العريضة فى الدولة والمجتمع على مستوى الحياة اليومية، وهذا ما أقتربت منه تيسا فى نص كتابها حول الشرطة الغسقية.

كما أتخذت منهاجية الكتاب من مصطلح “الشرطة الغسقية/الشرطة الشبح/ الشرطة الخفية twilight policing” منطلقاً لعمل دراسات ميدانية حول “ضباط الاستجابة المسلحين Armed Response Officers” وهم عبارة عن نمط محدد من ضباط شركات الأمن الخاصة فى ديربان Durban بدولة جنوب إفريقيا، حيث يقوموا بعمل دوريات مستدامة داخل المجتمعات الفرعية للقيام بعمليات تٌدعى “أزرار الذعر panic buttons” فى العديد من الضواحى والمساحات المٌطرفة فى المدينة؛ بهدف نشر الخوف بين قاطنى تلك المساحات من ضباط شركات الأمن الخاصة أكثر من ضباط الشرطة الحكومية.

ويترتب على عمليات نشر الذعر تلك خلق أنماط وممارسات مقاومة من مجتمعات الأهلى قاطنى الضواحى ربما تبدأ بأشكال سلمية وتنتهى بالعنف ومواجهة هؤلاء الضباط بالقتل والسرقة وتخريب سياراتهم.

ومن ثم تجديد دائرة العنف فى المجتمع لخلق تصور عام حول الحاجة المستمرة للضباط الاستجابة المسلحة لمنع تفاقم العنف ومنع إنتقال هؤلاء “أى قاطنى العشوائيات والضواحى وأطراف المدن” إلى مركز المدينة، حيث كبار رجال الدولة ورجال الأعمال قاطنى المُدن المُسيجة ذات الأسوار العالية المتصلة بالكهرباء ومؤمنة بقوات خاصة تابعة لصناعات الأمن الخاصة.

وهنا طرحت تيسا تساؤلاً حول: كيف يمكن للهيئات الشرطية غير الحكومية أن تترابط مع مستويات تنظيمية وهيئات رسمية كالشرطة الحكومية ومؤسسات الدولة ونخب المٌسيطرة على المجال العام؟ حيث ركزت على فهم العمليات التى من خلالها يتم إضفاء الطابع المحلى على الممارسات الشرطية غير الحكومية مهما وصلت من عنف وسحل لمجتمعات الأهلى العاديين التى تٌنفذ من خلال أفراد مقاولين بداخل المشهد الأمنى المتنوع فى المساحات الحضرية فى جنوب إفريقيا.

ربما حاججت تيسا أن الهدف من ذلك هو إختبار العلاقات التى تعمل على إعادة إنتاج ممارسات محددة توٌصف بالمضجرة iterative؛ لأنها تقوم بالأساس على الترسيخ للعنف والأمن فى نفس الوقت وفى نفس المجال، بمعنى أخر إدماج العنف من خلال التعزيز من وجود مؤسسات قائمة على الأمن الخاص وتسمح لهم بأختيار الطرق والآليات المناسبة لحماية الأمن القومى للبلاد وربما واحدة من آليات حمايتهم ترسيخ العنف الحضرى لإستمرار حتمية وجود صناعات واقتصاديات الأمن الخاص.

وهذا ما يسمح المجال لفهم الحدود المتداخلة بين الشرطة الحكومية والشرطة غير الحكومية فى صياغات ثابتة التغير حتى لايُستطاع تفكيكها؛ لأنها تشكل إبستمولوجيات السلطة والشرعية فى المجال الشرطى العام التابع للدولة والخاص التابع لشركات الأمن الخاصة.

 بمعنى أخر تتمثل تلك الإبستمولوجيات فى تحديد وتشكيل كيف يمكن فهم أنماط تكوين السلطة والشرعية لطرف محدد فى دولة جنوب إفريقيا؟ ولماذا هذا الطرف على وجه التحديد وفى وقت معين؟ ثم يحدث تغير فى أنماط تكوين السلطة والشرعية والسيادة لطرف أخر وفى وقت متغير أخر بهدف تحقيق مصلحة ونفوذ معين…وهكذا دوليك، فإن المصالح والمساحات المداخلة بين الكيانين فى حالة دائمة التبدل والتغيير.

رابعاً: التعددية الشرطية: التضاريس الأمنية متعددة          الأقطاب وعمليات إدارتها من خلال السيادة الفعلية.

طرحت تيسا أن الدراسات –فى الفصول الأولى- التى عالجت الانقسامات وطرق تشكيل المجال الشرطى العام والمجال الشرطى الخاص يشهد حالة من الغموض والضبابية وضعف الشفافية. ولكن هذا لا يمنع وجود عدد من الدراسات حول الشرطة غير الحكومية بإعتبارها طرف مهتم بمكانته فى السياق السياسى لمواجهة ظاهرة الدولة الفاشلة.

وتستمر تيسا فى عرض وجه نظر تلك الدراسات التى ترى أن شركات الأمن الخاصة أو الشرطة غير الحكومية طرحت مصطلح “الإعتقاد الخاطئ عن المرتزقة Mercenary Misconception” الذى ينتقد المنظور السائد عن الشرطة غير الحكومية (كشركات الأمن الخاصة) بإنها عمليات عسكرة وإنتاج سلوك غير شرعى الذى يحدد شرعية دولة أو جماعة أو سلطة مٌحددة خاصة فى القارة الإفريقية.

ولكن تيسا على الرغم من أنها لم توضح وجه نظرها اتجاه تلك الدراسات أنما أخذ منها منطلقاً لمحاججة أن مقاولى الشرطة غير الحكومية وشركات الأمن الخاصة عموماً أصبح لديهم مساحة واسعة من السيطرة والتنفيذ على أرض الواقع.

 ربما يكون ذلك بسبب ظاهرة الدولة الفاشلة سواء كانت غائبة أو ضعيفة، وبالتالى تفقد تلك الدولة الحق الشرعى لإحتكار القوة لصالح شركات الأمن الخاصة بإعتبارها المٌنتجة والمٌتحكمة فى هذا الحق وقدرتها على التحقق من العنف فى المجتمع.

وعليه رأت تيسا أن نتائج ذلك ظهر ثلاث نقاط أساسية وهم كالتالى:

1-    إنتهاج الدولة خطاب Discourse أن المواطنين هم المسئولون responsible citizens عن حماية أنفسهم. بمعنى أخر أن الدولة لم تعد هى المسئول عن تحقيق وظائفها أنما الأفراد هم المسئولين عن ذلك، وهذا ما يعزز من التشجيع على تأسيس المزيد من شركات الأمن الخاصة التى تضع حلول من وجهة نظرها لتحقيق الأمن بإعتبارها أولى وظائف الدولة. وهذا ما يعنى تحويل الأمن إلى سلعة “سلعنة الأمن” فى سوق أحتكارى ضخم.

2-    بزوغ الدولة الجزائية-العقابية penal state التى تتميز بزيادة النفقات المتعلقة ببناء مؤسسات لتطبيق وتنفيذ القانون، ولإستدامة تلك المؤسسات سيتطلب عليها أن تحدد دوراً جديداً يتمثل فى تحديد ممارسات نزع الأمن وتحقيق الفوضى لتطبيق العقاب وإنفاق أموال طائلة على ذلك، ومن ثم زيادة أرباح طرف محدد (واحدة من تلك الأطراف مقاولى صناعات الأمن الخاص).

3-كما أنه نظرياً يمكن تعريف جهاز الشرطة الحكومية على أنه الهيكل الذى يقوم بمهام وفقا للدولة، حيث يتم تنفيذ وظائفه فى المجال العام التى من المفترض أن تكون فى خدمة المواطنين ومكافحة الجريمة وتأهيل المذنب وحماية الأمن، إلا أنه عملياً حل محل ذلك المشهد الشرطة الخاصة غير الحكومية التى تعمل لصالح الشركات وفاعلين محددين (المستفيدين بشكل عام).

 وبالتالى فإنها لن تعمل لصالح المراكز والفئات الأقل مقدرةً على دفع تكلفة الخدمة المُقدمة من تلك الشرطة، وبالتالى أصبح هناك العديد من فئات فى مجتمع جنوب إفريقيا أقل حمايةً على أوراحهم وممتلكاتهم؛ لأنهم غير قادرين على الدفع مقابل خدمة الأمن الخاص.

وبالتالى، فمن أجل ذلك الهدف التمويلى الربحى بإعتباره الهدف الرئيسى لدى اقتصاديات الشرطة الخاصة، أصبح هناك عمليات واسعة من خصخصة الشرطة الحكومية العامة وتحويلها إلى سلعة أى “تسليعة الشرطة العامة commoditized public policing”. وهذا ما دفع تيسا نحو تسمية تلك الظاهرة “بالتضاريس الأمنية متعددة الأقطاب a pluralized security landscape”.

كما وضعت تيسا ثلاث مفاهيم/أطٌر أساسية لفهم عمليات إدارة (حوكمة) متعددة الأقطاب للمجال الشرطى الخاص. كما أن تلك الأطر تتجاوز أقتراب الدولة-المركز أنما تعمل على تحليل كيف يمكن للممارسات المتعددة وفاعلى تلك الممارسات أن ينتج عنهم نظام اجتماعى معين؟ وعليه فإن تلك الأطر هى كالتالى:

1)    الإطار العقدى Nodal Framework: يقوم على تحليل أطراف شرطية مختلفة سواء كانت خاصة أو عامة، حيث ينظر إليهم الإطار على أنهم نقاط/عٌقد ألتقاء Nodes أى كونهم هياكل حاكمة Governing Entities يجب النظر إليهم كهدف أساسى. فهذا الأطار لا يتعامل مع التفاعلات بين تلك “العٌقد الألتقائية” أنما يركز بالأساس على المساحات التى لا تجتمع عندها تلك النقاط أى مساحات العزل النسبى مع تلك الهيئات الحاكمة. وهنا يمكن القراءة بوضوح المصالح المطلقة وفهم الاستراتيجيات والنظام الفعلى الذى يقوم عليه تلك الهيئات الحاكمة.

2)    إطار شبكات الأمن Security Network Framework: يركز ذلك الإطار –كما تناولته تيسا- على التفاعلات، حيث يحلل العلاقات المختلفة بين تلك المؤسسات أو الهئيات الحاكمة على نحو شبكى. فكلاً من تلك الشبكات تتألف من فاعلين مٌهيمنِة أو فاعلين مٌهيمنَ عليهم، حيث تتحدد تلك التفاعلات الشبكية عن طريق فهم ومناقشة “نقاط الهيمنة”.

3)    إطار التجمعات الأمنية Security assemblages Framework: ترى تيسا أن هذا الإطار يشير إلى هياكل وممارسات أمنية جديدة تترواح فى نفس الوقت مابين العام والخاص والمحلى والإقليمى والعالمى. وربما يساعد ذلك الإطار على فهم كيف يمكن لقوة الدولة أن يُعاد صياغتها؟ أى كيف يمكن للعديد من مقاولى الأمن المختلفين أن يتفاعلوا فى مواقع مُحددة مع بعضهم البعض ومع مؤسسات الدولة؟ بالإضافة إلى كيف يمكن أن تتغير طبيعة المصالح واستراتيجيات العمل بالنسبة لهؤلاء المقاولين (شركات الأمن الخاصة)؟

ومن ثم وضعت تيسا –خلال فصول الكتاب- إطار تحليلى لمصطلح الشرطة الغسقية/الشرطة الشبح twilight policing يقوم على عمودين وهما كالتالى:

1-    عمود السيادة فى حد ذاتها.

2-    عمود المؤسسات أو الهيئات الغسقية/الشبح فى حد ذاتها التى تعمل فى ظل سرية وألتواء وتغير حالتها وأهدافها على حسب معطيات السياق.

وعليه ترى تيسا أنه وفقا للعديد من الأنثروبولوجين المشتغلين على حالة جنوب إفريقيا، فإنه يمكن تعريف الشرطة policing على أنها أداء القوة السيادية. فمن خلال ذلك نجد أن السيادة يمكن أن تُستخدم لإختيار كيف لفاعلى الدولة أو فاعلى المجالات الخاصة غير الحكومية أن تدّعى السلطة لكى تنتج نظام اجتماعى محدد؟

وهذا ما دفع تيسا نحو الانتقال من دراسة “السيادة القانونية legal sovereignty” التى تتمثل فى الإيدلوجيات الرسمية للقواعد والقوانين إلى الاهتمام “بالسيادة الواقعية أو الفعلية de facto sovereignty” التى تعنى القدرة على القتل والتعذيب والعقاب وخلق الإنضباط من خلال حالة من الحصانة والقوة التى تعطى الحق فى ذلك. وبالتالى رأت تيسا أن هذا يعنى أنثروبولوجياً أن السيادة فى دولة جنوب إفريقيا هى مجرد سياق ومصدر قوة منشأ اجتماعياً الذى يجرى تجديده من خلال ممارسات يومية والقدرة التمويلية على فرض العقاب والإنضباط من خلال مأسسة وخصخصة العنف.

فالقوة السيادية ليست مجرد نمط من السلطة القادرة على التملك والتنفيذ أنما تعنى القدرة الإدعائية على التكرار والأستدامة. وهذا ما يتمثل فى قدرة شركات الأمن الخاصة المستمر فى السيطرة على المجال العام والسلطة العامة من خلال سيادتها الفعلية فى جنوب إفريقيا.

وهنا تستعين تيسا بما اسماه  Rodgers بالسيادات المتنافسة competing sovereignties أو ما اسماه sieder بالسيادات المتناحرة contesting sovereignties؛ لإثبات أن الهدف من ذلك هو تطوير وضع الفوضى للهيمنة. وبالتالى طرحت تيسا إمكانيات الانتقال فى ميزان القوة بين الأجهزة القهرية للدولة والفاعلين من دون الدولة القائمين على حساباتهم الخاصة حول ماهو قانونى وغير قانونى أو رسمى وغير رسمى أو شرعى وغير شرعى أو عام وخاص.

فلاحظت تيسا أن هناك علاقات متعددة الأبعاد بين الهيئات الحكومية وهيئات غير حكومية أخرى. فتلك العلاقات فى تدفق مستمر بسبب السياقات المتجددة حول مفاهيم السيادة؛ بمعنى مع من اليوم السيادة؟ ولصالح من؟ وماذا عن الظروف المكانية التى تسمح لمن القوة بداخلها وفى فترة زمنية محددة؟ وهذا ما يمكن توظيفه لقراءة العلاقات ما بين الشرطة الحكومية وغير الحكومية فى المناطق  الحضرية فى جنوب إفريقيا.

فالسيادة هنا كما طرحها ضباط الاستجابة المسلحة armed response officers فى الكتاب هى نمط من القوة تصبح نسبية وفقا لسياقات الموقف. بمعنى لصالح من يعملوا هؤلاء الضباط خاصة بعدما عرّفتهم تيسا على أنهم “منجزين السيادة performers sovereignty” لكونهم محتكرى القوة ولديهم القدرة على الاستخدام الفعلى للعنف.

ومن هنا تأتى “غسقيتهم twilight”؛ فهم مؤسسات تعمل فى الظلام والسرية التامة لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع من خلال سيادتها وقدرتها المٌكتسبة على نحو غير مُبرر. تلك المؤسسات تمارس السلطة العامة وتحدد على نحو فعال القرارات الحسمية وعمليات الحوكمة وإدارة المجالات العامة والخاصة.

ولكن فى نفس الوقت، لم يدّعوا أنهم حلوا محل الدولة أنما يعملوا فى الخفاء لدعم الأنماط البديلة لإدارة السياقات المحلية والحضرية فى جنوب إفريقيا وفقا لمصالحهم. فهم المسئولون –كما وصفت تيسا- عن كيفية ومتى ولماذا فى هذا الوقت سيتم التعزيز من شرعية الدولة وإبراز السلطات العامة على أنها المٌتحكم الأساسى فى المجال العام وإدارة المجتمعات.

 وهنا طرحت تيسا أنه لضرورة فهم تلك الحالة لابد من تدارك أن الدولة تتألف من مكونين وهما:

1-    نظام الدولة state system: الذى يشير إلى العديد من الممارسات والمؤسسات المتباينة.

2-    تأثير الدولة state effect: التى تشير إلى إمكانيات التمثيل المٌحدد والفهم المعين للدولة.

وعليه قامت تيسا بربط ذلك العنصرين بفكرة الاعتماد المشترك codependent والتعاضد mutually reinforcing لفهم السياق الذى سمح لسيطرة وبزوغ شركات الأمن الخاصة فى جنوب إفريقيا على هذا النحو. فالدولة ليست فقط مجموع المؤسسات والهيئات (كمؤسسة الشرطة الحكومية مثلاً)، بالإضافة أنه ليس من السهل الإدعاء بأن وظائف مؤسسة الشرطة الرسمية تخضع لسيادة الدولة فحسب. أنما هناك حسابات مٌتخيلة ومحسوبة ومنشأه اجتماعياً من خلال الممارسات اليومية لشبكات متداخلة من المصالح والهيئات الحاكمة.

فالدولة ليست بالكيان الذى يمكن فصله عن المجتمع وحسابات المصالح المرتبطة بهيئات خاصة أخرى. وبالتالى توصلت تيسا أن الشرطة غير الحكومية مثل نظيرتها الحكومية تعمل من خلال طرح خطابات تتمثل فى أنها “القائم على وظائف الدولة”. فعلى الرغم من أن شركات الأمن الخاصة فى دولة جنوب إفريقيا تطرح نفسها كفاعل مستقل فى الدولة إلا أنها فى نفس الوقت تُسمى مهامها بإنها “داعمى الخدمات العامة”، بالإضافة إلى إرتداء ضباط تلك الشركات الخاصة زى مشابة للزى الرسمى للشرطة الحكومية والاستخدام المماثل لعربات ومصفحات وسيارات الشرطة الحكومية. وهذا ما يوضح إلى أى مدى أصبحت تلك العلاقة الغسقية/الشبحية تنمو وتتطور فى الخفاء والسرية وهذا ما أطلقت عليه تيسا ب”twilight zones”.

تلك المناطق أو المساحات ليس من الضرورى أن تتمثل فحسب فى عمليات الخصخصة لهيئات عامة أو إضفاء الطابع العام على الكيانات والقطاعات الخاصة أنما تتمثل إيضاً فى التداخل imbrication وليس التحول بين عناصر الهيئات الخاصة والعامة من الناحية السيادية لاسيما بداخل المناطق الحضرية فى جنوب إفريقيا. وهذا ما يُكسِب العلاقة الطابع الضبابى السرى فى المصالح ومن المٌتحكم فى إبراز وصياغة القرارات، وبالتالى لمن المٌحاسبة والمُسألة عن عما يحدث فى المجتمع فى دولة جنوب إفريقيا؟ وهنا طرحت تيسا تسمية “دولة-التشويش state of blurriness” لوصف تلك الحالة. وهنا يصبح صعوبة فى تحديد الخطوط الممايزة بين ماهو دولة وماهو ليس بدولة؟

خامساً: بدايات بزوغ اقتصاديات صناعة الأمن الخاص: قانونى المرحلة الوطنية وضباط الأمن الوجه الأخر للأبارتيد.

ولتلك الأسباب أختارت تيسا جنوب إفريقيا كحالة دراسية؛ لأنها تٌعد من أفضل السياقات لدراسة العلاقة بين مقاولى الأمن المختلفين (عام أو خاص) وسيادة الشرطة غير الحكومية هناك، حيث تٌعتبر جنوب إفريقيا من أكبر دول العالم من حيث إحتوائها على قطاع هائل وضخم من شركات الأمن الخاصة. ففى 2013 كان هناك حوالى 9031 شركة أمن خاصة مسجلة رسمياً وحوالى 445.407 مكاتب أمن خاصة جارى تفعيلها.

لاحظت تيسا أن تلك الشركات يتم تصنيفها من خلال السلطة التنظيمية لصناعة الأمن الخاص Private Security Industry Regulatory Authority (PSIRA) وهى هيئة مستقلة. كما ترى تيسا أن على الرغم من الوجود الفعلى لتلك الشركات فى جنوب إفريقيا إلا أنها أصبحت فى تزايد وإنفجار بعد إرتفاع معدلات المقاومات الشعبية والإنتفاضات السياسية منذ أواخر الثمانينات ثم الدخول فى مرحلة أو عمليات الإنتقال/التحول الديمقراطى منذ عام 1994. فمنذ حكم التفرقة العنصرية (الأبارتيد) حدث تحالف بين شركات الأمن الخاصة ونظام دولة الأبارتيد للفصل العنصرى.

فعندما أشتدت عمليات المقاومة والانتفاضات السياسية من المجتمع ضد نظام الفصل العنصرى لم تعد قوات الدولة سواء شرطة حكومية أو قوات الجيش قادرين على مواجهة كثافة المقاومات عبر البلاد. وبالتالى كان هناك حاجة شديدة لوجود قوات إضافية تساعد على مواجهة تلك الثورات، وهذا ما أدى إلى استخراج تشريعات تسمح بتشكيل كيانات شرطية وأمنية خاصة على وجه السرعة.

وعليه، رأت تيسا أن التغيير الأساسى فى التشريعات تمثل فى تأسيس قانون المرحلة الوطنية National Key Point Act (NKPA) رقم 102 فى أواخر الثمانينات الذى وضع شروطاً حول مسئوليات الأنظمة الأمنية الخاصة عن مواقع استراتيجية التى تعتبر حيوية بالنسبة للأمن القومى، وبالتالى ينبغى نقل وتخويل السلطة لتلك الكيانات الجديدة من أجل إدارة وإمتلاك تلك المواقع اللازم تأمينها.

كما سمح قانون (NKPA) لدولة الفصل العنصرى أن تستعين بمصادر خارجية متعددة الأنظمة والقدرات لتشكيل مفهوم الأمن القومى الجديد وآليات حمايته والتعزيز منه عبر السماح لنمو قطاع الأمن الخاص فى البلاد. وفى عام 1987 ظهر تشريع أخر وهو قانون ضباط الأمن Security Officers Act (SOA)  يقوم على أن جسد الدولة الرسمى لديه الحق فى مراقبة وتنظيم موظفى وضباط صناعة الأمن الخاص.

وعليه رأت تيسا أن قانونى ضباط الأمن والمرحلة الوطنية أثرا على نحو مباشر على زيادة الضغط السياسي والنقد تجاه الدولة غير القادرة على هيكلة أجهزتها الأمنية وأنها لجأت نحو تخصيص قوات خاصة غير حكومية للقيام بوظيفة الأمن.

ومن ناحية أخرى، بدأت شركات الأمن الخاصة تعمل على تشكيل مجالها التجارى الخاص، حيث لاحظت تيسا أن معظم تلك الشركات قدمت فكرة “عروض الرجل الواحد One-Man Shows” التى تشير إلى إختلاط التجارة والمجالات الاقتصادية بالأجهزة الأمنية الخاصة. فأغلب تلك الشركات قام تمويلها ورأس مالها على رجال الأعمال والذى أغلبهم كانوا جنرالات سابقين فى الأجهزة الأمنية العامة بفروعها المختلفة  أى سواء الشرطة الحكومية أو فى قوات الدفاع لجنوب إفريقيا  South African Defense Forces SADF

ومع بدايات التسعينيات، أصبحت تلك الشركات ذات مراكز ورؤؤس أموال متعددة فى المراكز الحضرية والمٌدنية فى جنوب إفريقيا. ومع ذلك، طرحت تيسا أن بداية الإزدهار الاقتصادى لتلك الشركات صاحب فترة التحول من 1990 حتى 1994، حيث شكلت تلك الفترة تحدياً أمام إعادة هيكلة القطاعات الأمنية الشرطية لدولة ما بعد الفصل العنصرى، وهذا ما دفع العديد من المواطنين ورجال الأعمال تعتمد على نحو أساسى ومتزايد على تلك الشركات الأمنية الخاصة لحمايتها وحماية ممتلكاتها.

ومنذ ذلك الحين، بدأت تيسا فى وضعها كبداية تأريخية لنمو صناعات الأمن الخاصة وإكتسابها لخبرات جعلها تتحول من كونها مجرد “نادى” إلى ظاهرة قائمة على إدارة “الأعمال” واقتصاديات راسخة  From club to a Business.

وقد فسرت تيسا سماح حكومة ما بعد الفصل العنصرى لنمو قطاعات الأمن والشرطة الخاصة لعدة أسباب من أهمها إعتبار حكومة ما بعد الأبارتيد أن تلك الصناعات والكيانات تُعد أفضل ما تبقى من النظام القديم وأنها قادرة على فهم المصالح وتحركات حكومة ما بعد الفصل العنصرى  حتى تضمن استمرار هيكل توزيع المصالح والنفوذ والثروات كما كانت عليه قبل مرحلة الفصل العنصرى.

وهذا ما أكد عليه قانون ضباط الأمن (SOA)، حيث رأت تيسا أن هذا القانون سمح بالتزاوج وتأكيد الشَراكة بين صناعة الأمن الخاص ونظام الدولة القديم.

 وبالتالى استمر الوضع بل وتطور إلى أكثر من مرحلة عقب إصدار قانون التنظيم رقم 56 لعام 2011 Regulation Act No.56 of 2011 . وهو قانون مٌنظم للشَراكة ما بين السلطة التنظيمية لصناعة الأمن الخاص PSIRA) من جانب والدولة فى جنوب إفريقيا من جانب أخر. كما رأت تيسا أن هذا القانون سمح بتأهيل الأسواق لجعلها إحتكارية الهيكل لصالح صناعات الأمن الخاص والشركات المتعددة.

الخاتمة: عن تمجيد الذكورة والهيكل الاجتماعى المتٌأثر: وعليه طرحت تيسا أربع أنواع من الشركات بمستوياتهم المتباينة التى أستفادت ومازالت مٌستفيدة من قانون التنظيم وهم كالتالى:

1-    شركات مملوكة دولياً ولديها شبكة عمليات عالمية.

2-    شركات كبيرة ولكنها تعمل فقط بداخل ديربان-جنوب إفريقيا.

3-    شركات قائمة على المجتمعات المحلية Community-based companies، وتعمل فحسب بداخل مناطق البيض بشكل ثابت.

4-    شركات قائمة على المجتمعات المحلية Community-based companies، ولكنها تعمل فى البلدية الهندية السابقة المتواجدة على مشارف وضواحى المدينة.

وعليه طرحت تيسا فى الفصول الأخيرة من الكتاب منهج الأقتراب من  الأنواع الأربعة السابق ذكرهم الذى يدور حول المقابلات الشخصية وعمل مجموعات بؤرية ومناقشات حول تاريخ تلك الصناعة وفقا للأربع مستويات من شركات الأمن الخاص فى جنوب إفريقيا. بالإضافة إلى “أسلوب الملاحظةobservation ” .

أى ملاحظة شركات الأمن الخاص أثناء فترات عملهم لأكثر من 750 ساعة كدوريات متنوعة وموزعة على المستوى الحضرى فى جنوب إفريقيا.

فالملاحظة هنا سمحت لتيسا باستخدام أقتراب أثنوغرافى القائم على المراقبة ورصد الممارسات اليومية لضباط الاستجابة المسلحة للشرطة غير الحكومية والاستفسار عن تصوراتهم وخبراتهم الشخصية حول عملهم وتحليل كيف يمكن لهم أن يتفاعلوا مع “الكيانات الأخرى” كضباط الشرطة الحكومية للدولة والمواطنين؟

صرحت تيسا بأن إقامتها الطويلة فى ديربان سمح لها بحسن تحليل إلى أى مدى رسُخت ممارسات وأفعال الشرطة غير الحكومية بداخل الهياكل الأجتماعية الأكبر؟ بمعنى أنه على الرغم من أن هناك تنوع متعدد فى شركات الأمن الخاص إلا أنها جميعاً تقوم على ضباط الاستجابة المسلحة على قوات قوامها من الرجال فقط ويشترط أن يكونوا على الأقل من عمر 21 عاماً. كما أن أغلبهم ليسوا من البيض وكونهم من قاطنى مناطق الدخل المنخفض فى المدينة والمناطق الحضرية على وجه العموم. وهذا ما دفع تيسا أن تطلق عليهم شريحة “أريد أن أكون رجل شرطة Wanna-be Policeman”، وذلك لسببين –وفقا للكتاب- وهما:

1-    أنهم رٌفضوا اجتماعياً واقتصادياً لكى يلتحقوا بجهاز الشرطة الحكومية.

2-    رغبتهم فى تحقيق تحسين كبير فى دخولهم ومستوياتهم الاجتماعية على وجة العموم.

    وعليه ترى تيسا أن بين السببين علاقة متداخلة. وهذا ما جعل تيسا تعرض عدد من التصورات حول قوات تلك الشركات الخاصة بإعتبارها قوات مرتزقة ويقتربوا  فى ممارساتهم إلى البلطجة وتفشى العنف فى المناطق الحضرية على وجه الخصوص الهامشية منها.

كما توصلت تيسا فى الخاتمة إلى بعض الملاحظات حول تأثير قوات الأمن الخاص على الهيكل الاجتماعى من خلال التعزيز من فكرة تمجيد الذكورة Glorification of Masculinities؛ لأنها ترسخ لسيطرة الضباط الذكور لتفعيل سيادتهم على مستوى المساحات الحضرية، والتى ترى فى أن واحدة من أسباب أستدامة أنماط العنف الحضرى هى الهيكل الذكور لقوات الأمن الخاصة.  

شاركنا رأيك

بريدك الإلكتروني مؤمن ولن يتم اظهاره للعلن.