المركز العراقي الافريقي للدراسات الاستراتيجية
الموقع الرسمي

المزروعي: الرجل – المهمة – الحركة

0

في التاريخ المتداخل لعلم المباحث الأفريقية، بدايةً من المحاولات الاستعمارية الأولى إلى العالم الشجاع الجديد لتشريحات ما بعد الاستعمار، فإن باحثون قلائل فقط وجدوا الإثارة والجمال اللذان حققهما البروفيسور علي الأمين المزروعي (1933-2014). وفي القارة نفسها التي شهدت دراساته المكثفة، فإن العديد من المكتبات والمراكز التعليمية والطرق قد سميت على اسمه بعد وفاته تقديرًا لمساهماته المتشعبة.
مع ذلك، ورغم ندرته بحسب معايير التحفظ الأكاديمي، فإن تملق المدافعين عنه كان مساويا للازدراء القاسي والعداء المغالي لمناهضيه، الذين كان بعضهم مدفوعين بلا شك من قبل معارضة فكرية أو سياسية لمشروعه الرئيسي حول إيحاء الوعي غير الغربي أثناء عصر يتميز بالعولمة المفترضة لعالم المال والثقافة والعسكرية الغربية. وللحقيقة، لم يكن المزروعي رغم ذلك منزعجًا بسبب تلك الانتقادات أو التحديات؛ بل إن الأمور كما لو كان متعطشًا للجدال والتحدي، مستغلا كل فرصة متاحة لتقديم تصحيحات إلى الحكمة المتلقاة. أي أن كتابة المزروعي كانت تمتزج بالنصائح والإرشادات. وطريقة نطقه الاستفزازية بشكل متعمد، في الخطابات والمقالات، تثير أسئلة ولغط، ولكنها دائما، بمصطلحات توضيحية (وليست تعليمية) تشير إلى نقاط محدد حول الأخطاء في الإدراك والسلوك. عبر قيامه بهذا، لم يكن المزروعي – وهو المتأثر برقي تعليمه في أكسفورد – يخجل من تبني أساليب خطابية توكيدية: السخرية، والمجازات والاستعارات بكثرة. هذه الأدوات، رغم ذلك، لم تحجب الأساليب المهيكلة، حتى ولو بشكل ضمني، التي يتكشف تحليله من خلالها. عندما كان يتوفر له الوقت، كان يفكر ويجادل بأساليب واضحة عبر الثنائيات والثلاثيات والمقارنات والمقاربات. وظهر اهتمامه بالتفاصيل عبر تمكنه من التاريخ: فالتاريخ المصغّر مثلًا يجد مسافات طويلة في الفقرات، والمحلي والعالمي يتداخلان معا، والمثالي والمادي يتفاعلان جدليًا. من خلال براعته في علم المقارنة، يتمكن المزروعي من القفز من الحالة إلى النقطة والعكس، غالبا عبر سعي محموم لجدلية عامة تتوقف لبرهة من أجل تقديم التوضيحات والمشاكل والتعريفات وأوجه الدحض، وهي مسائل تمثل عقبات في الخطاب العرقي البلاغي.
من الناحية الأسلوبية والاستدلالية، كان بالفعل عدوًا للفواصل، أن تضع المزروعي بين قوسين، من ناحية علم المعرفة، أو من ناحية منهج دركهايم أو فيبر أو هيجل، قد لا يكون هذا مناسبًا تجاه أي محاولة لفهم أسلوبه. لم يكن المزروعي مستقلًا في أفكاره فقط، بل كان محطمًا للتماثيل الدينية وبالتالي غير مقيّد بأي سابقة أو تقليد. وينطبق هذا على كل من الأساليب المعرفية الغربية وعلى التقاليد الإسلامية، حيث لم يكن ينظر إلى إجماع الفقهاء كإلزام ضروري على الدراسات اللاحقة. رغم درايته بالمجادلات المنهجية بين النماذج المثالية (الباراديجمات) في العلوم الاجتماعية في أمريكا الشمالية، وكذلك في الأدب الغربي وفي الدراسات العالمية، فإن المزروعي لم يسعى إلى الالتحاق بأي مدرسة منهجية قائمة. من الناحية الافتراضية، فإن المذهبية والتحيّز لمذهب ما المترسّخ بين الملتزمين بالنظريات الماورائية المنافسة، يمثل للمزروعي تشتيتا وليس ظرفًا مناسبًا للممارسة، حتى بالنسبة له هو الذي تمثل له المكتبة بيتا ثانيًا وموضع نقدي يستمر طوال العمر. داخل حقل العلوم الإسلامية، التي اهتم بها الراحل المزروعي بشكل خاص، فإن الغياب الملحّ للالتزام بمذهب وسابقة راسخة لم يثر نفس الآثار عند ممارسة هذا الاستقلال الفكري في المجالات التي تدرب عليها. كان لدى والده بالطبع، الشيخ الأمين بن علي المزروعي (1891-1947)، يأمل في البداية أن يصبح ابنه قادرا على إضافة اللقب المبجل “الأزهري” إلى اسمه، ولكن المسار التعليمي لهذا الفرع من العائلة أخذه نحو مقاعد التعليم الغربية بدلًا من ذلك. هكذا لم تُتح للمزروعي الفرصة للسعي نحو أو الحصول على إجازات متقدمة في العلوم الكلاسيكية. في النهاية بالتالي، كان اجتهاد المزروعي مجرد رأي فقط، وليس ارتباط حماسي مع النص أو الأدوات التفسيرية للفقهاء. يمكن للمرء أن يفترض بشكل معقول أن المصلحة العامة هي الهدف المرشد للمزروعي، رغم أنه لم يتظاهر أبدًا أنه مقيدّ بالمبادئ الاستدلالية لأجداده.
رغم ذلك، تظل النقطة الجوهرية في أن إصطفائية وأصالة البروفيسور كانت قائمة في مختلف المجالات، حتى في المجالات التي تقع خارج مجال خبرته الأصلية. لم ترقَ أفكاره إلى مستوى “المدرسة” ولكنها قدمت منهجًا “الدورية الأمريكية للعلوم الاجتماعية الإسلامية، 33:3” قائم بشكل متقن على مجادلات مستمرة وإعادة تفكير نقدي. من خلال عدم ارتباطه بالاتجاهات المعرفية (الإبيستومولوجية) في مجال العلاقات الدولية، وكذلك المجالات الناشئة للدراسات ما بعد الاستعمارية والدراسات المتفرعة عنها، نجح المزروعي في تجنب الرطانة في تحدثه عن الاهتمامات الأصلية. كان مدفوعا، بل ومتأثرًا، بأسئلة العصر الكبرى: الاستعمارية والعرقية والتمييز الجنسي، والحرمان، والحضارة والتعايش والأمن. كان مهتمًا بالفرد والمجتمع والأمة، والقبيلة والنوع والإنسانية في العموم، ولكن، في ابتعاد عن منهج علم السياسة المسيطر للحرب الباردة العالمية، لم يكن دافعه أبدًا هو الحفاظ على أو فرض النظام. أعتقد أنه كان يفهم النظام على أنه الهيمنة ضد التدفق الخلاق للتاريخ نفسه. وبالتالي فإن الضجيج و “الخلخلة” كانت مظاهر للتقدم (أو الحياة الاجتماعية ببساطة)، بينما القصور الذاتي المفروض والركود المهيكل هو الشيء الشاذ الذي يخدم الصفوة. بالنسبة للمزروعي، فإن الإنشغالات المنظّمة للعلم السياسي الوضعي و “والواقعية” – المستندة على القانون غالبًا – كالنظاميات والثوابت الراسخة والعموميات المستمرة – كانت غير مفيدة ومعارضة للحدس: فالكائنات البشرية ليست كيانات ميكانيكية بل فاعلين أحياء، عاقلين وأحيانًا غير منطقيين. فوظيفة المحلل لا تتمثل في فرض القيود الظرفية أو المثالية على القوى الاجتماعية أو خدمة الأطراف التي تحاول القيام بذلك، بل في رفع وعي الانحيازات الفكرية والمؤسسية. ولا يعني أي من هذا أي المزروعي لم يكن مهتما برسم دروس عالمية وكذلك ببذل الوقت تجاه التعقد العام – والجيني – للشرط الإنساني. بين جبال الصفحات، حتى لو لم يتم تفسيرها، فإن الإنجاز الأخلاقي-الأدبي الراسخ لعمله يبقى أنه مذهب التعددية: أن الكائنات البشرية كانت ومازالت تخضع لتشكّل مستمر من قبل تعددية الأفكار الاجتماعية والأيدولوجية والثقافية وتعقيداتها. إن تعقيم التعددية ليس فقط أمرا غير طبيعي، ولكن التعقيم هذا يؤدي إلى الجدب.
إن عداء المزروعي لإسقاطات القوة الغربية كان بالتالي استراتيجيا فقط: لم يكن نفيًا للقواعد الليبرالية أو قيم التنوير، ولكن بالأحرى اعتراضًا على العدوان المتعرّي، أو المبهرج حتى، الذي يقع تحت اسم تلك القواعد. كان الاستشراق، سواء ذلك في الأبراج العاجية أو في الكابيتول هول، معيبا ليس لأنه نظر إلى الأفكار بجدية، ولكن بسبب الأهداف الاستثنائية والجبرية التي أخضع تلك الأفكار لها. وكذلك كان الاستشراق معيبًا في خطيّته التي لا يمكن استردادها وافتراضه أن الأفعال تتبع الشعارات بغض النظر عن السياق. بهذا المعنى، كان المزروعي منشغلًا بالثقافة ولكنه لم يكن مناصرًا لأهمية الثقافة فحسب، فالثقافة ليست ذاتية المرجعية وليست، باللغة الأكاديمية، متغير مستقلًا. على مدار عمره الذي استمر ثمانين عامًا، نجح المزروعي في زلزلة أسس الدراسات الأفريقية، مع تقديم إسهامات هامة في العلوم السياسية والدراسات الإسلامية. كشخصية جليلة، شديدة التواضع، بدأ المزروعي كمفكّر وانتهى كمؤسسة.

شاركنا رأيك

بريدك الإلكتروني مؤمن ولن يتم اظهاره للعلن.