المركز العراقي الافريقي للدراسات الاستراتيجية
الموقع الرسمي

خيارات صعبة: حدود تأثير حرب التيجراي على أمن القرن الأفريقي

0

لا يزال رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” مصرًّا على الحسم العسكري في إقليم التيجراي المتمرد على السلطة الفيدرالية، حيث أعلن في 17 نوفمبر 2020 أن نهاية عملية إنفاذ القانون قاب قوسين أو أدنى عندما بدأت القوات الفيدرالية في الزحف على ميكيلي، عاصمة إقليم تيجراي. أعطت الحكومة الإثيوبية فترة عفو مدتها ثلاثة أيام للقوات الخاصة وميليشيات التيجراي لتسليم أنفسهم وأسلحتهم، ولكنها انتهت من دون نتيجة. وعليه، فقد كثفت القوات الجوية الفيدرالية غاراتها على ميكيلي وغيرها من البلدات والمواقع العسكرية في إقليم التيجراي. ولا شكّ أن الإصرار على الحسم العسكري، ورفض مبادرات الوساطة بما فيها مهمة مبعوثي رئيس الاتحاد الإفريقي، يهدد بانزلاق البلاد إلى حرب أهلية شاملة، حيث شهدت الفترة الماضية مقتل المئات وفرار نحو 30 ألفًا عبر الحدود إلى السودان. وإذا ما استمر الصراع فسوف تتصاعد الضغوط الدولية على أديس أبابا لوقف إطلاق النار من أجل السماح بدخول الإغاثة الإنسانية.

الحسابات الاستراتيجية:

إن جوهر الصراع الحالي بين الحكومة المركزية الإثيوبية بقيادة “آبي أحمد” وجبهة تحرير شعب تيجراي هو إعادة النظر في مفهوم الهوية السياسية الإثيوبية والتنافس على الهيمنة السياسية. يرغب “آبي أحمد” الذي يمثل ثقافة هجينًا من الأمهرة والأورومو في أن يقيم تحالفًا حاكمًا جديدًا مع الأمهرة للتخلص من بنية السلطة العتيدة في منطقة التيجراي. إنه يحاول بناء أسس جديدة للشرعية السياسية تعزز سلطته وتقوي مركز أنصاره الجدد في أمهرة. ولعلّ الداعم الإقليمي الرئيسي لـ”آبي أحمد” في موقفه ضد التيجراي هو الرئيس الإريتري “أسياس أفورقي”. وقد حاول قادة الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي تدويل الصراع وزيادة الضغط الدولي على إثيوبيا في 14-15 نوفمبر بإطلاق ثلاثة صواريخ على مطار أسمرة، وهو الأمر الذي يُسهم في زيادة المخاطر الإقليمية للصراع.

وعلى الرغم من قدرة جبهة التيجراي العسكرية، حيث تمتلك نحو 250 ألف مقاتل، فإن هجومها على مقر القيادة الشمالية للجيش الإثيوبي في التيجراي الذي وصفته بأنه “دفاع استباقي عن النفس” يُعبر عن سوء تقدير من الناحية الاستراتيجية. كان التوقيت مناسبًا لـ”آبي أحمد” لاتخاذ قرار الرد العسكري نظرًا لتجاوز الخط الأحمر، فقد وقع الهجوم في ظل انشغال العالم بنتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية الفوضوية، وبعد أيام قليلة من تولي إثيوبيا رئاسة مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي في نوفمبر 2020. كما يتولّى رئيس الوزراء السوداني “عبدالله حمدوك”، وهو حليف مهم لـ”آبي أحمد”، منصب رئيس الهيئة الحكومية الدولية للتنمية (إيجاد).

من جهةٍ أخرى كذلك، كان توقيت قرار التيجراي بشن الهجوم العسكري على القاعدة الشمالية سيئًا. إذ لم يتم جمع المحاصيل الزراعية، كما أن المنطقة عانت بشدة من الأضرار التي سببتها أسراب الجراد. يعني ذلك أن قدرة جبهة التيجراي على توفير السلع الأساسية في ظل سياسة الحصار المفروضة عليها سوف تكون محدودة للغاية. قبل بدء القتال، حذر برنامج شبكة الأمان الإنتاجية، وهو يستهدف الوقاية من المجاعة وتموله الجهات المانحة، من أنه يقدم المساعدة لنحو مليون شخص في تيجراي. بالإضافة إلى ذلك، يعتمد 96 ألف لاجئ إريتري في المنطقة و100 ألف نازح آخر على المساعدات. وعليه يحذر مسؤولو الأمم المتحدة من كارثة إنسانية في حالة عدم وصول الإغاثة مثل الغذاء والدواء وإمدادات الطوارئ الأخرى إلى المنطقة. وفي كل الأحوال سوف تظل الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي معزولة عن الدعم الخارجي. أما في حالة اتساع رقعة الصراع لتشمل أطرافًا إقليمية أخرى، عندها قد يزيد الضغط على “آبي أحمد” للموافقة على وقف إطلاق النار، الأمر الذي قد يترك للجبهة الشعبية لتحرير تيجراي مساحة للسيطرة على بعض أجزاء تيجراي على الأقل.

أما حسابات رئيس الوزراء الإثيوبي فإنها لا تقل صعوبة عن حسابات خصومه من التيجراي. فعلى الرغم من وصول “آبي أحمد” إلى السلطة عبر آليات نظام الفيدرالية العرقية؛ إلا أنه يدفع باتجاه سلطة مركزية أكثر قوة لا يرحب بها جميع الإثيوبيين. لقد تمّ تصميم مشروعه الوحدوي لكسب تأييد الأمهرة الذين يشكلون نحو 27٪ من السكان بدلًا من عرقيات إثيوبيا الأخرى، التي لا تزال تتمسك بنص المادة 39 من دستور عام 1995 التي تسمح بحق تقرير المصير بما في ذلك إعلان الانفصال.

ربما يجد “آبي أحمد” تأييدًا في الداخل، ولا سيما من الأمهرة، لحملته العسكرية ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، لكن قلة من الأورومو الذين يشكلون 35٪ من السكان أو الصوماليين الذين يشكلون بدورهم 6.2٪ من إجمالي السكان يرغبون في التخلي عن سلطتهم الإقليمية لصالح الحكومة المركزية. لقد اضطر “آبي أحمد” في العام الماضي إلى السماح لسيداما بأن تؤسس منطقة فيدرالية. وهناك عشر جماعات عرقية أخرى في المنطقة الجنوبية تتطلع الآن إلى تأسيس مناطقهم الإقليمية الخاصة. ومن المعروف أن جميع الولايات الفيدرالية في إثيوبيا تمتلك ميليشياتها العسكرية الخاصة وكذلك أجهزة الشرطة الخاصة بها. يعني ذلك أن العنصر العرقي أساسي في الأزمة، ولا سيما سياسة اعتقال التيجرانيين في أديس أبابا، وإقالة موظفي التيجراي من مؤسسات الخدمة المدنية والإدارات الحكومية والأجهزة الأمنية، حيث تمتعوا بالسيطرة على مواقع مفصلية في هذه الأجهزة قبل مجيء “آبي أحمد” إلى السلطة عام 2018. لقد اندلعت سلسلة من الصراعات العرقية في الأشهر الأخيرة، حيث فر ما يقدر بنحو 2.5 مليون إثيوبي من ديارهم في السنوات الثلاث الماضية بسبب الاشتباكات التي شارك فيها الأورومو والأمهرة وسيداما وبني شنقول – قوموز والصوماليون. ولعل هذا المركب العرقي بالغ التعقيد يُضفي مزيدًا من الصعوبة على خيارات رئيس الوزراء المحدودة.

المواقف الإقليمية:

رغم قرار السودان إغلاق الحدود رسميًّا بين إقليم تيجراي والولايات الحدودية السودانية (كسلا والقضارف)، وهي التي تشكل الممر اللوجيستي الوحيد الذي يربط الإقليم بالعالم الخارجي من حيث التزود بالوقود والأسلحة والسلع الأساسية؛ فإن تدفق اللاجئين منذ بداية الصراع يتواصل يوميًّا بدون انقطاع. ومن المعلوم أن لدى السودان اعتبارات استراتيجية قد تدفعه للتفكير في تقديم الدعم للجبهة الشعبية لتحرير التيجراي في حربها ضد قوات الجيش الإثيوبي. إذ يوجد نزاع حدودي مع إثيوبيا بشأن “مثلث الفشقة”، وتبلغ هذه المنطقة الزراعية الخصبة حوالي 100 ميل مربع على طول حدود السودان مع ولاية أمهرة الإثيوبية، وهي أراضٍ سودانية بموجب اتفاقية وُقّعت عام 1902 بين المملكة المتحدة وإثيوبيا في عهد الإمبراطور “مينيليك الثاني”، وهو أمر لم تنكره إثيوبيا حتى في ظل فترة حكم الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي. فهل تفكر السودان في استخدام ورقة التهديد بدعم الجبهة لانتزاع تنازلات من إثيوبيا عن الحدود المتنازع عليها؟ كما تعارض السودان ومصر الموقف الإثيوبي من سد النهضة بسبب عدم الاتفاق على قواعد ملء وتشغيل السد.

ومع ذلك، فإن الخيارات السودانية هي الأخرى تبدو صعبة وشائكة. إن أي تدخل سوداني بشكل مباشر في الحرب لصالح تيجراي التي تشترك في الحدود مع إريتريا قد يسهم في إطالة أمد الحرب الأهلية الإثيوبية، وقد لا تستطيع الخرطوم تحمل التكلفة الاستراتيجية الباهظة في علاقتها مع كل من أديس أبابا وأسمرة.

من المرجح أن تعود منطقة القرن الإفريقي إلى حالة الصراع بالوكالة، أو تفتح المجال لنزاع إقليمي أوسع. وفي ظل هشاشة الوضع السياسي الهش الذي تعاني منه السودان خلال المرحلة الانتقالية، فإنها لا ترغب في التصعيد مع دول الجوار، ولا سيما إثيوبيا التي قد تدعم هي الأخرى الجماعات السودانية المسلحة التي وقّعت على اتفاقية جوبا للسلام في أكتوبر 2020. ويمكن أن نشير على وجه الخصوص إلى متمردي ولاية النيل الأزرق المتاخمة لولاية “بني شنقول-غموز” الإثيوبية التي تحتضن موقع سد النهضة. ومن جهة أخرى، يمكن أن تقوم إريتريا -التي تعد من أشد أعداء جبهة التيجراي الحاكمة- بتقديم الدعم لقبائل “البجا” على طول المنطقة بين البحر الأحمر والنيل في مواجهة قبيلة بني عامر التي تعيش في كل من شرق السودان وإريتريا. وربما تعيد مسألة الحرب بالوكالة عسكرة شرق السودان الذي يشهد حالة من الاستقطاب السياسي بين جماعات متحالفة أيديولوجيًّا مع النظام الإريتري وجماعات أخرى مناهضة له.

ومن جهة أخرى، فإن استجابة رئيس الوزراء الإثيوبي للضغوط السودانية من أجل تقديم تنازلات في مثلث الفشقة المتنازع عليه تبدو شبه مستحيلة بسبب تداعياتها المباشرة على مستقبله السياسي. إذ إن تلبية مطالب السودان بشأن نزاعها الحدودي يعني استعداء حلفائه من الأمهرة الذين يعتبرون هذه المنطقة المتنازع عليها أرضًا للأجداد كتلك التي سيطرت عليها الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي وضمتها لإقليمها في تسعينيات القرن الماضي. وهكذا نجد أن كافة الحسابات الاستراتيجية لأبعاد الصراع في التيجراي تنطوي على خيارات سياسية بالغة الصعوبة والتعقيد.

بالنسبة لإريتريا، وعلى الرغم من استفادتها من إنهاك الطرفين في حرب استنزاف طويلة الأمد فإن خياراتها الاستراتيجية لا تبدو سهلة؛ فقد وقّع الرئيس “أسياسي أفورقي” -الذي يُعد من ألد أعداء الجبهة الشعبية لتحرير التيجراي- اتفاق سلام أشبه بالتحالف العسكري مع إثيوبيا عام 2018. ومنذ ذلك الوقت يعمل مع حليفه “آبي أحمد” على عزل واحتواء نفوذ منطقة التيجراي من أجل استئصال قواعد السلطة التي يتمتع بها حزبها الحاكم. في الوقت الحالي، اقتصر الرئيس “أسياس” على تقديم بعض الدعم اللوجيستي، مثل السماح لبعض القوات التابعة للقيادة الشمالية التي ظلت موالية للحكومة الفيدرالية بالانسحاب إلى إريتريا من منطقة تيجراي. ومن هناك أعادوا تجميع صفوفهم لشن هجمات على قوات إقليم التيجراي انطلاقًا من بادمي وما حولها. كما حشد “أسياس” قواته على طول الحدود في بادمي داخل إريتريا، وقدم دعمًا مدفعيًّا للهجوم الفيدرالي على حميرة في 9 نوفمبر 2020. لكن لا توجد أي مؤشرات على تورط إريتري مباشر داخل تيجراي، ومن المرجح أن ثمة تحذيرات من قادة الجيش للرئيس “أفورقي” من مغبة الدخول في صراع طويل الأمد داخل تيجراي.

أما جيبوتي التي تقع على حدود إريتريا وإثيوبيا والصومال، فإنها تمثل الشريك الاقتصادي الأكبر لإثيوبيا في المنطقة، وتعد المنفذ الوحيد لها على البحر. ومن المقرر أن تستضيف جيبوتي مركز البحرية الإثيوبية، كما سيكون مقر قيادة البحرية في بحر دار عاصمة إقليم أمهرة شمال غرب إثيوبيا. وتساعد فرنسا الحكومة الإثيوبية في إعادة بناء أسطولها البحري، ويتلقى بعض أفراد البحرية تدريبًا في فرنسا. وعليه فإن جيبوتي تعد الحليف الإقليمي الأبرز لإثيوبيا في حربها ضد جبهة التيجراي. وقد اتضح ذلك من قبل في اتخاذها موقفًا محايدًا في أزمة سد النهضة بين كل من إثيوبيا ومصر والسودان.

وختامًا، فإن سيناريو الحسم العسكري لصالح الجيش الفيدرالي يعني تعزيز السيطرة الفيدرالية على حساب سلطة حكومات الأقاليم، وأن يُصبح لرئيس الوزراء “آبي أحمد” اليد العليا عسكريًّا وسياسيًّا. وسوف يحاول فرض حكومة جديدة في ميكيلي عاصمة تيجراي. وقد عيّن البرلمان بالفعل رئيسًا جديدًا لتيجراي هو “مولو نيغا” نائب الوزير الفيدرالي السابق للعلوم والتعليم العالي. بيد أن الوضع في تيجراي بالغ التعقيد، حيث توجد أيضًا أحزاب سياسية أخرى في تيجراي تعارض جبهة تحرير تيجراي، بعضها يدعو إلى الاستقلال، وأخرى بما في ذلك قادة سابقون في جبهة تحرير تيجراي على استعداد للعمل مع “آبي” وحزب “الازدهار”. غير أن دعم التيجرانيين -في أغلبهم- لسلطة رئيس الوزراء لن تكون مضمونة، فالانتخابات الإقليمية في تيجراي التي أُجريت في سبتمبر 2020 حصلت بمقتضاها الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي على 98٪ من الأصوات، على الرغم من رفض نتائجها من قبل الحكومة الفيدرالية والبرلمان باعتبارها غير قانونية وغير دستورية.

وعليه، فإن أي عمليات عسكرية طويلة الأمد ضد تيجراي، أو استمرار التصعيد في مناطق التوتر العرقي الملتهبة، سوف تهدد استقرار إثيوبيا ومحيطها الإقليمي، كما أنها سوف تُلحق الضرر بتجربة إثيوبيا التنموية والتي تأثرت بالفعل نتيجة جائحة (كوفيد-19). ولعل الخروج الآمن من هذه المعضلة التي لا يمكن تصور تبعاتها الإنسانية الكارثية يتمثل في الدعوة لحوار وطني قبل إجراء الانتخابات العامة المقبلة، يتبعه مؤتمر وطني لمراجعة دستور عام 1995، بما في ذلك طبيعة النظام الفيدرالي الذي يقوم على أسس عرقية. على أن هذا الخيار يبدو بعيدًا عن جدول أعمال حكومة رئيس الوزراء “آبي أحمد”.

شاركنا رأيك

بريدك الإلكتروني مؤمن ولن يتم اظهاره للعلن.