المركز العراقي الافريقي للدراسات الاستراتيجية
الموقع الرسمي

دور الدين في العلاقات الدولية الأفريقية

0

دراسة خاصة لدور العامل الديني في التعاون بين الدول الإسلامية وغير الإسلامية في حوض النيل منذ عام 2001

يلعب الدين دوراً ملحوظاً في تاريخ العلاقات الدولية على مر تاريخها، وهو ما تشير إليه الأحداث التاريخية الكبرى. وفي قارة أفريقيا نجد تشابكاً للخريطة الدينية الخاصة بها، فمن الصعوبة بمكان تحديد دين يمكن القول بأنه الدين الرئيسي للأفارقة، حيث تتعدد المعتقدات داخل القارة الأفريقية، كما أنه في كثير من الصراعات التي تدور في دول القارة يبرز الدين كأحد العوامل التي تؤدي إلى قيام الصراعات وتأجيجها.

وقد تزايدت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة الصراعات الدولية والداخلية في مختلف أنحاء العالم، لأسباب مختلفة منها دوافع دينية كالهجمات الإرهابية من قبل تنظيم القاعدة ضد مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في سفارتيها في كينيا وتنزانيا، فضلاً عن التوترات بين دولتي الهند وباكستان، والصراع في أيرلندا، والثورات الدينية في إيران وأفغانستان، علاوة على التوترات المذهبية التي طالت منطقة الشرق الأوسط، والذي ألقى بظلاله على العلاقات بين دول المنطقة، كتوتر العلاقات بين دولة إيران ذات المذهب الشيعي، والدول الخليجية ذات المذهب السني.

هذا وقد زخر التاريخ القديم والحديث المعاصر بالعديد بالنماذج التي لعب فيها البعد الديني دوراً له أثر ملحوظ كقوة ناعمة على العلاقات الدولية، ومن أمثلة تلك النماذج مؤسسة الأزهر الشريف والكنيسة المصرية، والأثر الديني لهما في ربوع القارة الأفريقية.

فالصراعات الدينية هي أكثر عرضة لاجتذاب العديد من الأطراف سواء كانت دول أو منظمات للتدخل في بعض الأحيان، الأمر الذي يسهل من عملية تدويل هذه النزاعات والصراعات، وكثير ما يستخدم لأغراض غير دينية مثل ما تقوم به إسرائيل لخدمة أهدافها التوسعية، التي تتمثل في أسطورة إسرائيل من النيل للفرات.

واستنادا إلى أهمية دراسة الأديان والأيديولوجيات ودورها في العلاقات الدولية، فإن الأمر يتطلب مراجعة خريطة المعتقدات في منطقة حوض النيل وتأثر تلك القيم والمعتقدات السماوية وغير السماوية على العملية السياسية سواء داخلياً أو خارجياً. في هذا السياق، تناول الباحث دراسة دور الدين والمؤسسات الدينية وتأثيرها على صنع السياسة الخارجية في دول حوض النيل مع التركيز على الجانب المؤسسي منها.

المنهج المستخدم وقد استخدم الباحث في دراسته منهج إدارة الصراعات والأزمات وهو ما يسمح بتحليل التفاعلات الصراعية وغير الصراعية التي تكون من مسبباتها اعتبارات دينية.

وقد قام الباحث بتقسيم دراسته إلى أربعة فصول رئيسية.

ففي الفصل الأول، تناول الباحث تطور الدين في قارة أفريقيا، حيث تعرض في المبحث الأول الدين في أفريقيا قبل الاستعمار، وفي المبحث الثاني تناول الدين في أفريقيا أثناء فترة الاستعمار، وتناول في المبحث الثالث الدين في القارة الأفريقية في مرحلة ما بعد الاستعمار.

وفي الفصل الثاني، تطرق الباحث إلى دور الدين في العلاقات الخارجية لدول حوض النيل، حيث تعرض في المبحث الأول إلى الخريطة الدينية في منطقة حوض النيل، وتناول في المبحث الثاني مرحلة الاستقلال الوطني ودور الدين في العلاقات بين دول حوض النيل.

وتناول الفصل الثالث زيادة تأثير الدين في الصراع والانقسام بين الدول في 2001، ففي المبحث الأول تناول الباحث تعزيز الانقسام بين دول أعالي النيل ودول المصب، وفي المبحث الثاني تعرض إلى تقسيم السودان ودور العامل الديني، وفي المبحث الثالث تناول تعزيز المعارضة المسلحة في دول حوض النيل.

وفي الفصل الرابع الذي ناقش الدور الثقافي للدين في منطقة حوض النيل، تناول الباحث في المبحث الأول آليات التعاون من خلال مؤسستي الأزهر الشريف، والكنيسة، وفي المبحث الثاني تعرض إلى الحرب على الإرهاب في شرق القارة الأفريقية، وتحديداً منطقة حوض النيل، وتناول المبحث الثالث الدبلوماسية الشعبية بين دول منطقة حوض النيل.

واختتم الباحث دراسته بتقييم شامل للعامل الديني ومستقبله، حيث أوضح أن العلاقة بين الدين والسياسة في القارة الأفريقية هي علاقة تاريخية لها أوجه عديدة، فهي في بعض الأحيان قد تكون سبباً لإحلال السلام، وفي أحيان أخرى قد تؤدي إلى انفجار الصراعات نظراً لتحول الدين لهوية للأفارقة في مقابل الهوية الوطنية، بسبب وزنه النسبي في إذكاء الصراعات مقارنة بالعوامل السياسية والاقتصادية الأخرى.

وتوصل الباحث إلى أن التداخل بين الدين والسياسة له نتائجه السلبية، فاستثمار الدين من قبل الساسة لخدمة أغراضهم السياسة والشخصية، وبالعكس استثمار رجال الدين للسياسة من أجل خدمة أغراضهم المذهبية أو الدينية، من الممكن أن يؤدي إلى صراعات وحروب تعبر الحدود الدولية، وذلك نظراً لحساسية المفاهيم الدينية وارتباطها بمشاعر الناس وعواطفهم على عكس الممارسة السياسية التي تتعلق وتستند على أفكار ونظريات وقوانين نسبية ووضعية تحتمل الصواب والخطأ.

وأشار الباحث خلال دراسته إلى أن العوامل السياسية والاقتصادية في القارة الأفريقية قد ساهمت في تمازج الدين في السياسة، حيث نجد أن الحكومات الأفريقية قد انشغلت ببقائها في السلطة ومع تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية، سعت إلى استيعاب الأقليات قسراً لفرض رؤى وأيديولوجيات مختلفة.

كما تبين للباحث أن معظم الجماعات الأصولية قد تشابهت في العديد من السمات، مثل استخدام الشعارات الدينية، والمطالبة بقيام دولة دينية، واستخدام النصوص الدينية في غير موضعها واتخاذها كمرجعية لا يمكن الطعن بها للسيطرة على مقاليد الأمور.

ومن ثم، رأى الباحث أن دراسة العلاقة بين الدين والسياسة في مجال العلاقات الدولية تتسم بدينامية متميزة، وبخاصة مع التحولات التي شهدها العالم خلال القرن العشرين، ففي النصف الثاني من القرن العشرين، حظيت تلك العلاقة بين الدين والسياسة بدعم ملحوظ على اعتبار أن الدين مكون رئيسي في السياسة الخارجية لبعض دول العالم، فضلاً عن كونه أداة من أدوات هذه السياسة في كثير من الأحيان.

وفي أفريقيا، توصل الباحث إلى نتيجة مفادها أن دراسة العلاقة بين الدين والسياسية اتسمت بقدر من التعقيد على الدوام، حيث يقوم الدين بدور واضح في التفاعلات السياسية سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، للدرجة التي بلغت فيها النزعة الدينية مداها في العديد من النزاعات والصراعات التي تشهدها القارة الأفريقية.

ولاحظ الباحث خلال دراسته من خلال تناوله لوضع الدين في دساتير دول حوض النيل محل الدراسة، أن هناك دولاً تعترف بالدين في دساتيرها كما هو الحال بالنسبة لمصر، أما في السودان فقد احتل الدين حيزاً مهماً في الصراع السياسي منذ منتصف ستينيات القرن الماضي، فعلى الرغم من اهتمام الدساتير السودانية المتعاقبة على الانتماء للفضاء العربي إلا أن اعتبار الشريعة الإسلامية مصدراً للتشريع ظلت هي القاسم المشترك بين تلك الدساتير، وفي المقابل ركزت بعض الدول الأخرى على علمانية الدولة في دساتيرها، مثل أثيوبيا وكينيا وتنزانيا.

وقد ظل الدين حاضراً بقوة في المشهد السياسي في منطقة حوض النيل، الأمر الذي يرجع بالأساس إلى خريطة انتشار الدين في المنطقة، فضلاً عن كثافة الوجود الديني، كما نجد كثافة دور الدين في التفاعلات السياسية، وهو ما تجلى في أنشطة العديد من التنظيمات المسلحة التي تقوم على مرجعيات دينية مثل تنظيم القاعدة، وتنظيم جيش الرب المسيحي.

وختاماً، طرح الباحث رؤية مستقبلية حول مستقبل دور المكون الديني في مسار العلاقات الدولية في المنطقة، حيث أشار في السيناريو الأول إلى تعاظم دور المكون الديني، حيث أنه من المفترض تزايد تأثير المكون الديني في التفاعلات الدولية في منطقة حوض النيل، وذلك استناداً إلى البيئة الصراعية في البلاد، بما يفتح المجال أمام نمو الحركات الدينية المتشددة والمسلحة، وأيضاً قد تأخذ العلاقة بين الدين والسياسة في هذا السيناريو منحى أكثر خطورة يؤدي إلى خطر تقسيم الدول الموحدة، وهو ما يشير إليه ببلقنة القارة الأفريقية، لتظهر دول أفريقية دينية.

أما السيناريو الثاني والذي يشير إلى تضاؤل دور المكون الديني، عندما تتواجد رغبة متنامية لدى عدد من الأنظمة الحاكمة في المنطقة للحد من تأثير التنظيمات والحركات الدينية الراديكالية، مما يدفع إلى التعاون مع القوى الدولية فيما يعرف بالحرب العالمية على الإرهاب، والدعم الدولي لمكافحة نشاط تلك الحركات.

ويتضمن السيناريو الثالث، وصول الحركات الدينية للسلطة في دول المنطقة، حيث أن وصولهم يفترض أنه يغير من مشهد العلاقات الدولية في المنطقة، إلا أنه أوضح أن هذا السيناريو مرهون بأحد الشكلين، إما بشكل ديمقراطي سلمي كما حدث في حالة وصول جماعة الإخوان في مصر للسلطة بعد ثورة يناير 2011، وإما من خلال العنف والانقلاب المسلح، كما شهدته الحالة الصومالية، وكذلك السودان عقب وصول نظام الإنقاذ في عام 1989.

وأشار السيناريو الرابع إلى تحول المنطقة إلى ساحة حرب بين المسيحية الأصولية والإسلام السياسي، وهو السيناريو الأكثر خطورة لأنه يأخذ الشكل الديني مما يهدد بتحويل منطقة حوض النيل إلى ساحة حرب بين المسيحية الأصولية والإسلام السياسي.

__________________

ملخص رسالة ماجستير غير منشورة

الباحث نبيل حسن رؤوف السجيني -مصر

شاركنا رأيك

بريدك الإلكتروني مؤمن ولن يتم اظهاره للعلن.