المركز العراقي الافريقي للدراسات الاستراتيجية
الموقع الرسمي

رواندا من المجاعة إلي القمة….. فأين مصر!!

0

شهدت رواندا حروبا أهلية ضارية بين قبائل التوتس والهوتو اللذان يشكلان 99% من نسيج الشعب الرواندي بين عامي 1990-1993 ، جعلتها واحدة من أفقر عشرة دول في العالم، بعد أن سقط خلال الحرب نحو 800 ألف قتيل من القبيلتين، انتهت بسيطرة الجبهة الوطنية الرواندية ذات الأغلبية التوتسية علي الحكم، عام 2000.
وبعد مرور عقدين من الزمان استيقظ العالم علي دولة عظمي تغيرت رملامحها من النقيض الي النقيض، فمن دولة ينتشر بها الفقر والمجاعة ويحاصرها الدمار من كل جانب الي دولة تم اختيار عاصمتها كيجالي كأنظف عاصمة في أفريقيا عام 2017، متقدمة بذلك علي دولة جنوب أفريقيا وعلي جميع الدول العربية في الشمال الأفريقي، كما كانت أول مدينة أفريقية تمنح جائزة زخرفة المساكن، نظرا لاهتمامها بالنظافة والأمن وقدرتها علي الإحتفاظ بنظام المدينة النموذجي.
فكيف تغيرت معالم تلك الدولة بهذه السرعة، ومن يقف خلف هذه النهضة وهل هناك أجندات خفية يمكن أن نفاجئ بها في المستقبل، وما هو حجم التدخلات الأجنبية في هذه النهضة … وما مدي خطورتها المستقبلية علي مصر.
جغرافية رواندا
يجدر بنا قبل ان نسترسل في الحديث عن رواندا، أن نتحدث عن طبيعتها الجغرافية فهي احدي دول حوض النيل الإحدي عشر يحدها شمالا أوغندا ويحدها شرقا تنزانيا وغربا الكونغو الديمقراطية وجنوبا بوروندي، ويقدر تعداد سكانها، بحوالي 12 مليون نسمة، ولا تتعدي مساحتها 26 الف و338 كيلو متر مربع، وتعتبر مع بوروندي أصغر دولتين من حيث المساحة في حوض النيل.
ورواندا دولة داخلية لا سواحل لها، تعتمد في تواصلها مع العالم الخارجي علي موانئ الدول المجاورة ،خاصة مينائي دار السلام في تنزانيا ومومباسا في كينيا،  وتربطها طرق برية بأوغندا والكونغو الديمقراطية .
يتكون سكانها من عرقين اثنين أساسيين الأول البانتو أو ما يطلق عليهم بانتو البحيرات، وأشهرهم مجموعة الهوتو (الياهوتو)، ويشكلون حوالي 85% من سكان البلاد، وهم أصل سكان رواندا، ويعملون بصفة أساسية بمهنة الزراعة، والطائفة الثانية التوتسي ويمثلون 14% ويشكلون الطبقة الأرستقراطية للمجتمع، فهم يتحكمون في التجارة والرعي والصناعة، أما باقي السكان فيمثلون 1% ويتكونون من جماعات التوا، أو الأقزام، الذين يعملون في صناعة الفخار إضافة الي أقلية صغيرة من المهاجرين.

واقع رواندا عام 2000

حرص الاستعمار البلجيكي ومن قبلة الإستعمار الألماني ومعهما، الكنيستين الكاثوليكية والبروتستنتية اللتان دخلتا رواندا خلال الحقبة الإستعمارية، علي قصر الثروة في يد الأقلية من أبناء فبيلة التوتسي، حيث قصر التعليم عليهم وسمح لهم بإمتلاك زمامات شاسعة من الأراضي الزراعية، لذلك كان طبيعيا أن تظهر الصراعات الأهلية فور اعلان استقلال رواندا عام 1962 وسيطرة الأغلبية من الهوتو علي مقاليد السلطة في البلاد حيث رفض التوتسي التعاون معهم لأنهم نظروا اليهم نظرة دونية علي أنهم مجرد عبيد، يعملون في أراضيهم، فضلا عن افتقار قبائل الهوتو للخبرة العملية في ادارة شؤون البلاد.
مما نتج عنه قيام سلسلة من الحروب الأهلية أدت الي هروب الكثيرين من التوتسي الي أوغندا كلاجئين، ومن هؤلاء خرجت الجبهة الوطنية الرواندية بقيادة بول كاجامي عام 1993 ، للمطالبة بأن يكون لهم نصيب من السلطة وعدم قصرها علي قبائل الهوتو، والتي نجحت بالفعل في الوصول الي السلطة عام 2000.
وقد حرص كاجامي علي غلق ملف الصراع الإثني ولم يسمح لأي مواطن بالحديث فيه، وللحق فقد كان الناتج القومي لرواندا، حين تسلم مقاليد البلاد، متدني للغاية حيث كان متوسط دخل الفرد 290 دولار سنويا.
وكانت الدولة تعتمد أساسا علي المعونات الخارجية،وكان 95% من السكان يعملون بالزراعة، ومن المهم هنا الاشارة الي ان رواندا هي بلد الألف تل مما يعني صعوبة اقامة بنية أساسية من طرق وتوصيل خدمات كمياه الشرب النقية والصرف الصحي، ومد شبكات الربط الكهربائي والتيلفونات ومع ذلك نجحت في التعامل مع هذه القضية المعقده وتمكنت فعليا من تطوير المدن القائمة لتصبح من أرقي مدن القارة بأثرها.

رواندا بعد التطوير عام 2018
حرصت رواندا علي أن يكون لها تواجدا فاعلا في المحافل الاقليمية، فانضمت الي منظمات السادك التي تضم ثلاثة عشرة دولة جنوب القارة، ومنظمة الايكاس الاقتصادية لدول وسط أفريقيا، ومنظمة الإيجاد لدول شرق أفريقيا والكوميسا لدول شرق وجنوب أفريقيا.
وتضاعف نصيب الفرد من الدخل القومي خمسة أضعاف حيث بلغ متوسط دخل الفرد 2100 دولار، ومعدل النمو 6.2% ، ووصل الدخل القومي الي 24.61 مليار دولا خلال عام 2017 ، مقابل متوسط دخل 2000دولارللفرد ومعدل نمو 5.9% ، ودخل قومي قدره 23.8مليار دولار عام 2016.
وبلغ متوسط دخل 1900دولار ومعدل نمو 8.9% ودخل قومي قدره 21.89 مليار دولار عام 2015 ، كما تنوعت مصادر الدخل القومي لتصبح 51.5% خدمات خاصة الاتصالات، 17.6% صناعة ، و30.9% زراعة، بعد أن كانت تعتمد 95% علي الزراعة.

كيف تطورت رواندا بين عشية وضحاها
بوصول كاجامي للسلطة وضع ثلاثة خطط قومية للنهوض ببلاده الأولي تقوم علي خفض معدلات الفقر وتقليص حجم الاعتماد علي المعونات الخارجية،بتوفير فرص عمل لنحو 70% من القوي القادرة علي العمل، والثانية تشجيع الإستثمارات الأجنبية في رواندا بخفض الضرائب حتي أصبحت واحدة من أهم 3 دول جاذبة للإستثمارات الأجنبية في القارة السمراء، بعد جنوب أفريقيا وموريشيوس ،و تم تأهيل الكوادر البشرية خاصة في قطاع تكونولوجيا الاتصالات ، وتكوين جيل جديد ذو مهارات مهنية عالية في الصناعات الوسيطة، مما أحدث طفرة في قطاع الصناعة.
كما تبني برنامجا لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء اعتمادا علي الصوب الزراعية، وخفض معدلات الفقر من 57% الي 45%

دور القوي الأجنبية الملحوظ في تطور رواندا
من المؤكد أن هناك تدخلا للقوي الأجنبية في رواندا في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية والصين اللذان يسعيان الي جعل رواندا سنغافورة أفريقيا، وجعل تأثيرها السياسي ممتد الي خارج حدودها، فتم تشكيل جيشا قويا يضم وحدات للتدخل السريع شأنها في ذلك شأن الدول العظمي، وتسعي حاليا لانشاء أكبر كافيهات نت في العالم بالتعاون مع الصين، ويبقي التساؤل الي أين تسير رواندا.
من المتوقع أن نفاجئ ذات صباح قريب بانشاء قاعدة عسكرية أمريكية علي أرض رواندا، بهدف حماية تدفقات البترول الأفريقي الذي بدأ يتدفق بغزاره في وسط القارة، و التأثير علي القرارات السيادية لدول الإقليم.
وبالتوازي فان اسرائيل تقدم الدعم الي رواندا حيث تعتبر أحد شركاء الدعم والتنمية للنظام الرواندي، وتعتبر العلاقات بين البلدين جيدة، وتتراوح قيمة الصادرات الاسرائيلية السلعية الي رواندا ما بين 1.6 الي 2مليون دولار سنويا، بينما تقدر صادرات رواندا لإسرائيل بنحو 1.9 مليون دولار سنويا ، تتمثل في الشاي وبعض مواد التعدين المستخدمة في صناعة شرائح الكترونية خاصة مادة التانتالايت الخاصة بالحاسبات .
كما تتولي بعض شركات الخدمات الأمنية الإسرائيلية تنفيذ عقود للتعاون فى مجال التدريب العسكرى، والتى توفد بموجبها عسكريين إسرائيليين لتقديم خدمات تدريبية لوحدات الجيش الرواندى، وتقوم إحدى هذه الشركات بالإشراف على نظم التأمين الخاصة بمطار العاصمة كيجالى وقرية البضائع الرواندية، ويعمل عددا من الخبراء والشركات الإسرائيلية المتخصصة فى قطاعات رواندية مختلفة ومنها قطاع الزراعة.
ولعل من أبرز الشركات الاسرائيلية العاملة هناك .
شركة بالتون -روندا التي تأسست عام 2007 وتعمل في مجال الزراعة والميكنة الزراعية والكيماويات والري والمبيدات الحشرية والصحة العامة والاتصالات، وهي إحدي مجموعة شركات بالتون التي تغطي جميع أنحاء أفريقيا جنوب الصحراء، ويقدر حجم مبيعاتها السنوية بنحو 160 مليون دولار، وتعمل الشركة بالإضافة لقطاع الزراعة في مجالات تكنولوجيا الاتصالات والهندسة الكهربائية وتقدم خدماتها في ادارة المشاريع لدي جميع دول القارة، وتركز نشاطها في دول حوض النيل.

دور رواندا الاقليمي
كانت رواندا أول الداعين لدول حوض النيل عام 2009 الي التوقيع علي اتفاقية عنتيبي التي تضر بصورة مباشرة بمصالح مصر المائية، فهي لا تعترف بحقها في اتفاقيات مياه النيل، ولا تريد إخطارها بالمشروعات المزمع انشاؤها علي منابع النيل، وترفض أن يكون لمصر والسودان حق الفيتو علي القرارات التي تصدرها دول منابع النيل، وتسعي لاقناع دولة جنوب السودان للتوقيع علي الإتفاقية ليصبح اعتراض مصر والسودان علي أي قرار بشأن النيل غير ذي جدوي.
وقدمت كذلك مقترحات لتطوير الإتحاد الأفريقي ما يعني أنها تسعي لأن يكون لها تواجدا اقليميا ودوليا مؤثرا .

تدخل الجيش الرواندي في الكونغو الديمقراطية
في أعقاب حرب الإبادة الجماعية التي شهدتها رواندا عام 1994 وتشكيل حكومة جديدة بها، فرّ ما يقرب من 1.2 مليون من الروانديين الهوتو إلى مناطق كيفو المجاورة في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، زائير سابقا، وهي منطقة يقطنها العرق التوتسي .
ومن هناك خرجت حركة تمرد ضد حكومة لوران ديزيريه كابيلا عام 1998، في إقليمي كيفو، وفي غضون أسابيع استولى المتمردون على مناطق كبيرة من البلاد،أحكموا السيطرة على المناطق الشرقية، بسبب دعم رواندا ومعها أوغندا حركة التمرد المعروفة باسم التجمع الكونغولي من أجل الديمقراطية.
وبحسب تقرير أصدرته مجلة (فورين بوليسي) الأمريكية، فإن الجنرال الرواندي، فرانك موشيو كامانزي، الذي عين رئيساً للأركان بالجيش الرواندي في يوليو 2012، لعب دورا في تجنيد الأطفال، لدعم ميليشيا إم 23  الدموية في شرق الكونغو الديمقراطية.
ومن المهم الاشارة الي تعيين الأمم المتحدة، هذا الجنرال تحديدا قائداً لقوة (اليوناميد) لعمليات حفظ السلام في دارفور، وهو منصب رفيع تم اسناده اكثر من مرة لقادة من رواندا تحديدا، وهو ما يؤكد أن رواندا قد خرجت من حيزها الضيق الذي كانت تحاصره المجاعات والحروب الأهلية لتلعب دورا إقليميا.

علاقة رواندا بمصر
في تقديري فان التواجد المصري تأخر كثيرا وغاب عمليا عن تلك التحولات الجذرية التي شهدتها رواندا، والتي تنذر بظهور اسرائيل جديدة، بمعني دولة صغيرة المساحة قليلة في تعداد سكانها ، ذات عمق اقتصادي واستراتيجي خطير علي كل دول حوض النيل..
وللأسف فان الطلبة الأفارقة الذين يتعلمون في مصر ينقلون صورة سلبية عنها لأهل بلدهم، ولا يوجد حتي الآن تبادل اعلامي قوي، بل لازال الطرفان يستقون معلوماتهم عن بعض من خلال وكالات الأنباء العالمية والأجنبية، بينما تفتقر جميع وسائل الاعلام المصري وجود صحفي أو اعلامي رواندي مقيم علي أرض مصر، كما تفتقر جميع وسائل الاعلام الرواندية الي وجود صحفي أو اعلامي مصري مقيم علي أرض رواندا .
وقد شهد شهر مارس الماضي هذا العام قيام أول بعثة مصرية من اتحاد الصناعات المصرية حيث ابدي 150 شركة رواندية استعدادهم للتعاون معهم في قطاعات الطاقة الجديدة والمتجددة، ومواد البناء والصناعات الهندسية والطباعة ودباغة الجلود، وصناعة الملابس الجاهزة، كما أبدوا رغبتهم في استيراد مواد خام ومستلزمات تصنيع، بل وصناعات متكاملة من مصر، ومن قبل كان هناك تواجدا لشركة المقاولون العرب في انشاء الطرق والمدن السكنية، ولكن هل نجحنا في تحويل تلك العلاقات الودية الي تواجد حقيقي لمصر داخل رواندا.
الأمر الذي يفرض ضرورة تغيير الثقافة المصرية تجاه الهجرة الي الجنوب بدلا من الهجرة الي الدول العربية والاتحاد الأوربي لأنها دول واعدة في الاستثمار، ومن المهم أن يكون لدينا رؤية في كيفية التغلب علي معوقات التواجد المصري هناك… مثلما نجحت باقي شعوب العالم في التعايش معهم والإقامة الدائمة هناك، وبدون ذلك لن تكون للقوي الناعمة المصرية أي تأثير علي الأحداث الجارية في دولة من أهم دول حوض النيل ومرشحه أن تصبح واحدة من أهم دول العالم، ويدعمها الكثير من دول العالم .

،،،،،،،،،،،،،،،،،
المراجع
دكتورة خالده محمد سالم، التنمية المستدامة في رواندا: رؤية 2020 ، مؤتمر التنمية المستدامة في أفريقيا، القاهرة مايو 2018
دكتورة سالي محمد فريد، الاستثمارات المصرية والاسرائيلية في أفريقيا، مؤتمر التنمية المستدامة في أفريقيا، القاهرة، 2018
دكتورة ريم محمد موسي، ندوة سر الصعود المفاجئ لرواندا، جريدة الزمان، القاهرة، يونيو 2018
الدكتور آدم الزبير، من يقف وراء صعود رواندا المفاجئ، القاهرة، يونيو 2018
الدكتورة دينا العشري، أهمية المجلس المصري الأفريقي، القاهرة، يونيو 2018
الدكتور محمد عبد الستار، دور الاعلام في العلاقات العربية الافريقية، القاهرة، 2018

world fact book الموقع الالكتروني

شاركنا رأيك

بريدك الإلكتروني مؤمن ولن يتم اظهاره للعلن.