المركز العراقي الافريقي للدراسات الاستراتيجية
الموقع الرسمي

قراءة تمهيدية في العلاقات التشادية الإسرائيلية وأثرها على دول الجوار

0

تقوم العلاقات بين الدول على عوامل متعددة من أهمها المصالح المشتركة المتبادلة التي تستفيد منها الشعوب، ومن هنا نسأل ماهو حجم المصالح المشتركة بين تشاد وإسرائيل؟ ولماذا اسرائيل تحديدا في هذا التوقيت؟
يُلاحظ دائماً أن من خلف العلاقات الخارجية لتشاد مع دول العالم مصالح مباشرة وغير مباشرة ، والأمر ينطبق على معظم دول افريقيا ، وهذا طبيعي إلا أن ديبي عرف بالتنقل في علاقاته الدولية.. فمثلاً تدهورت العلاقات التشادية الصينية عندما اعادت تشاد علاقتها مع التايوان في التسعينيات وهي جزيرة تتمتع بحكم ذاتي تسعى للاعتراف الدولي باستقلالها عن بكين. ما حدا بالصين لقطع علاقتها وتجميد مشاريعها في تشاد. لان الصين تعتبر اي علاقة مع تايوان هو ترجيح كفة انفصال تايوان عن الصين، وبعد ان كشرت الصين عن أنيابها ضد تشاد انقطعت العلاقات مع التايوان.
ان العالم يتطلع لاستثمار العلاقات بين الدول، سياسياً ودبلوماسياً في المحافل الدولية ، و النظر الى المصالح المشتركة باعتبارها هي القاعدة في بناء العلاقات الاستراتيجية.
والأسئلة المهمة التي تطرح نفسها :
ماذا عن العلاقات التركية التشادية التي تناولتها الصحف التشادية المحلية باهتمام في هذا العام 2018م، وترقب المسلمون نتائجها بتفاؤل ؟ وماذا عن العلاقات السعودية التشادية التي شاركت تشاد على اثرها بجيش في عاصفة الحزم باليمن!؟. وماذا عن عودة العلاقات القطرية التشادية، بعد انقطاع لفترة قصيرة، بسبب اتهام النظام في تشاد للدوحة بدعم متمردين في شمال بالبلاد.
فهل تستطيع العلاقات الجديدة مع الكيان الصهيوني من انقاذ الاقتصاد التشادي الذي يعاني ازمة كبيرة في الفترة الاخيرة او التخلص من الديون الخارجية ؟ وما تأثير العلاقات التشادية الاسرائيلية على دول الجوار؟
أم ان هذه العلاقة يمكن أن تذهب كما حدث مع تايوان بين ليلة وضحاها إذا لم تقم على مرتكزات أساسية.
العلاقات التشادية الاسرائيلية والزيارة التاريخية للرئيس ادريس ديبي
بدأت العلاقات السرية بين النظام في تشاد واسرائيل منذ فترة تقارب اربعة سنوات منذ العام 2014م تقريباً، وهي مرتبطة بالدعم اللوجستي العسكري في اطار التسلح حيث اشتهرت تشاد في السنوات الأخيرة من خلال دورها في محاربة الحركات الأرهابية في وسط وغرب افريقيا. وهناك وثائق مسربة تأكد ذلك، كما قد تم الاعتماد على مصادر مباشرة من المقابلات مع الأكاديميين والسياسيين التشاديين، على الرغم من ذلك لا تتوفر تواريخ دقيقة لهذه العلاقة أكثر من تلك الزيارات السرية المتبادلة بين الوفود.
وفي 25/11/2018 وصل الرئيس ادريس ديبي الى القدس كاول رئيس لتشاد يزور اسرائيل بعد قطيعة دامت (42) سنة، وكشف الطرفان حقيقة الزيارة وتفاصيل أبعادها، ولهذا نوثق لهذه العلاقة مع أول زيارة للرئيس التشادي ديبي حتى نأصّل لحديث متناسق له نتائج لا يعتمد على التحليل العاطفي. ولقد تصدرت هذه الزيارة الصحف والمنابر الاعلامية لأهميتها، فهي أول زيارة لرئيس تشادي، وأحد الدول المهمة في وسط افريقيا، والأفضل جيشاً وسلاحاً في المنطقة .
وقد أدركت اسرائيل مبكراً أهمية موقع تشاد الجيواستراتيجي المجاور للعالم العربي منذ إنشاء الوطن القومي لليهود بفلسطين عام 1948م، فتشاد تقع في قلب القارة الافريقية وتطل حدودها على دولتين عربيتين هما السودان وليبيا، وترتبط ارتباطاً جذرياً بالثقافة الاسلامية، وتربط بين العالم العربي والعمق الافريقي. وترتكز علاقات تشاد مع العالم العربي على ميراث تاريخي، وكانت تشاد بمثابة طريق تجاري يربط بين المشرق العربي بمناطق افريقيا الاستوائية، وظلت بحيرة تشاد محل التقاء الأعراق والاثنيات المختلفة التي انصهرت وتمازجت كما أن الصحراء الكبرى الافريقية تطل على ثمان دول عربية .
لذلك بادرت اسرائيل بالعلاقات مع تشاد بعد الاستقلال عن فرنسا في 11 اغسطس1960م مباشرة، وسعت بدبلوماسية حتى فتحت سفارتها في انجمينا لتصبح تشاد واحدة من أوائل الدول الافريقية جنوب الصحراء التي تحتضن سفارة اسرائيلية في ذاك الوقت، وقامت بطرح برامج مستقبلية، وبدأت في ذلك الوقت بإرسال خبراء عسكريين لتدريب قوات الجيش الوطني التشادي والاهتمام به، متنبئاً بمستقبله في المنطقة، وبدأ رجال الأعمال من اليهود بالاستثمار عبر انشاء شركات تجارية ، الأمر الذي جعل جمهورية تشاد من اوثق البلدان الافريقية المستقلة حديثاً علاقة بإسرائيل، وأن هذا الاهتمام الاسرائيلي، كان في تلك الفترة، يهدف الى الحد من الثورة الناصرية في مصر، وكبح جماح المقاومة العربية سواء الحركات القومية أو الاسلامية، فقد سعت اسرائيل منذ العام 1948م الى كسب الشرعية الدولية، والخروج من العزلة التي طوقتها بها الدول العربية والاسلامية.
لقد قطعت تشاد علاقاتها مع اسرائيل، تضامنا مع الأمة الاسلامية العربية في   عام 1972 وكان حينها الرئيس التشادي انقرتا تمبلباي. وفِي حرب أكتوبر 1973، وقفت تشاد مساندة لمصر وسوريا والأردن، ومتبرعة للجيوش المقاتلة في الجبهات بــ( ٣٥٠ ) طن من لحوم البقر. وقد فطن الملك فيصل لدور تشاد وموقعها الاستراتيجي فقام بتسجيل اول وآخر زيارة لملك سعودي الى أنجمينا في العام 1973م، قام فيها باعمال اقتصادية، وثقافية وانسانية كبيرة، حيث تم بموجب تلك الزيارة بناء مركز الملك فيصل، وهو مجمع يحتوى على أكبر مسجد بالبلاد، ومؤسسة تعليمية، ملحق بسوق مركزي، وقد تطور فيما بعد الى فصول ثانوية، وجامعة بنفس الاسم.
موقف تشاد من القضية الفلسطينية
وعن تاثير هذه الزيارة على مستقبل دعم تشاد للقضية الفلسطينية برر الرئيس ادريس ديبي هذه العلاقة بأنها علاقة شرعية ودفع لعملية السلام في المنطقة، مستدركاً أنه أقدم على هذه الخطوة بعد دراسة هذا البعد، وقال لقناة “i24NEWS” الاسرائلية “أنه لا وجود أي مشاكل بينه والرئيس الفلسطيني محمود عباس، وأن العلاقات طيبة مع السلطة الفلسطينية، وأضاف: “كما تعلم، لقد كنت جنديا وحاربت في الكثير من الحروب، و لا أتمنى ذلك لأي شعب أو دولة، إنها كارثة، لقد جئنا إلى هنا ببرنامج واضح، بزيارة رسمية إلى إسرائيل، لا توجد لدينا أي مشكلة مع عباس، ولا مع الفلسطينيين، إنه صديق لنا ويشارك في كافة مؤتمرات وقمم الاتحاد الإفريقي ” .
كما أكد الأمين العام للحركة الوطنية للإنقاذ – الحزب الحاكم في تشاد – محمد زين بدا عباس، إنه لا مانع من إعادة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في الوقت الحالي، معللاً أن تشاد دولة مستقلة وذات سيادة، ولها الحق الدبلوماسي في تطبيع العلاقات مع دولة إسرائيل وكل الدول. جاء ذلك خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده، بفندق هيلتون بالعاصمة التشادية أنجمينا، أمام الصحفيين تزامناً مع الذكرى الـ28 ، ليوم الحرية والديمقراطية. وعلل عباس قائلاً : أن إسرائيل دولة معترف بها في الأمم المتحدة، ولها علاقات دبلوماسية مع مختلف الدول العظمى كالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وغيرها، وأضاف أن معظم الدول العربية لها علاقة وطيدة مع إسرائيل، متسائلاً أين المشكلة في ذلك ؟ . وقال : يجب احترام مبادئنا. وشجع على سياسة الانفتاح الدبلوماسي وحث التشاديين أن يتفهموا مصلحتهم أينما وجدت . كما أكد أن الرئيس ديبي يؤمن بحل الدولتين مستقلتين يعيشان جنباً إلى جنب، عن طريق الحوار والمفاوضات بين الطرفين .
نجد أن الرئيس ديبي تحرك تجاه ملف العلاقات مع اسرائيل، وهو يحمل في طياته العديد من المبررات التي ساعدته كثيراً، فهناك حكومة شرعية فلسطينية على اتفاق مع اسرائيل، وهناك دول اسلامية وعربية أهم من دولته على علاقة باسرائيل مثل تركيا، ومصر والاردن وبعض دول الخليج.
ويرى محللون ان ما شجع ديبي على هذه الخطوة عوامل منها ما يعيشه العالم العربي من تناقضات، وازمات وانشقاقات اضافة الى عدم وضوح الرؤية لدى بعض الدول مثل التطبيع من جانب والتحفظ من جانب آخر(سواء اقتصادي أو غيره)، وكلها أهداف متعلقة بالمصالح فما الذي يمنع من تطور هذه الخطوات، وما الذي يمنع دول افريقية من التطبيع ؟!.
ويرى اخرون ان دولاً عربية هي التي تقف وراء هذه الزيارةـ، ويشيرون الى دولة الامارات بالتحديد التي لها الدور في تصعيد (ابن ديبي) لسفير فيها من اجل ان يخلف والده في الحكم، كما فعلت مع ابن علي عبدالله صالح في اليمن. كما أن (ابن ديبي) هو الذي زار اسرائيل عدة مرات، ونسق لهذه العلاقة كي يجد الدعم الاسرائيلي، ويجد القبول ليكون رئيس لتشاد مستقبلا.
و أن الامارات والسعودية ربما شجعتا ديبي للقيام بهذه الرسالة لايصال رسالة لاسرائيل، إن وقفت مع ابن سلمان وانقذته من ورطة خاشقجي، قد تستطيع الامارات والسعودية من دفع الدول الاسلامية من تطبيع العلاقات مع اسرائيل، وكبادرة على ذلك انها قدمت تشاد و قريبا النيجر، لأنها قد تكون الأصعب في افريقيا، نسبة لكثافة المسلمين فيها، وأن من شأن تطبيع العلاقة مع هاتين الدولتين سيدفع بقية دول افريقيا الأخرى لإعادة علاقاتها . و أن (ابن ادريس ديبي)، هو نموذج جيل القادة الجدد في افريقيا (الأب – الابن) .
النخب العربفونية الاسلامية في تشاد ورؤيتهم تجاه الزيارة
اما من حيث ردود الفعل الداخلية لهذه الزيارة فقد لقيت معارضة كبيرة من المجتمع التشادي هذه الزيارة وتطبيع العلاقة مع اسرائيل. فقد منعت وزارة الداخلية في تشاد مظاهرة لتحالف الجمعيات المدنية من أجل القدس وهو تحالف يضم 22 جمعية مدنية للاحتجاج على الزيارة كما سبق أن رفضت تنظيم مسيرة ضد قرار الإدارة الأميركية نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس، والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل. الا ان السلطات سمحت للتحالف بتنظيم محاضرة عن العلاقات الاسرائيلية التشادية كانت في العاصمة أنجمينا 6 ديسمبر 2018م والتي كانت بعنوان (العلاقات التشادية الاسرائيلية ومواقف الدول الافريقية تجاه القضية الفلسطينية ). أهم ما جاء فيها، أن العلاقات لم تقم بشرعية برلمانية أي أنها خطوة رئاسية فقط، وأنها تفتقر الى الأخلاق السياسية، ويجب التمسك بمبادئنا. وهذه أول بادرة، وقد كانت من الدارسين باللغة العربية، عبروا خلالها عن وجهات نظرهم بجرأة، وطرحوا أراءهم بشجاعة.
ونستطيع أن نقرأ المشهد بوضوح، فان الجانب الفرنكفوني في تشاد، لم يعر اهتماما للموضوع، وقد لا حظنا بعد الاسبوع الثاني من الزيارة أن ردود الفعل قد هدأت وكأن شيئاً لم يحدث.
اسرائيل في عيون الجيل الافريقي الجديد
إن اسرائيل ماضية في مشروعها التطبيعي مع الدول الافريقية. وهي رؤية استراتيجية تبنتها اسرائيل في تعاطيها مع قضاياها، وهذا طبيعي بسبب مراكز دراساتها والخبراء التي تستفيد من نتاجهم وبحوثهم . فالعالم بدأ يتشكل من جديد، والخارطة في ظل السيناريوهات المتعددة أخذت تتبدل. وأن النخب العربية والاسلامية عليها في تعاطيها مع قضايا المنطقة (بدون تعميم) برؤية جديدة لا أن تكون تقليدية، فالجيل الجديد من الافارقة، يرى اسرائيل بعيون تختلف عن الجيل الماضي، فإذا طرحنا سؤالا على أي افريقي مسلم دعنا من الافارقة من غير المسلمين، كيف كان والده يتعامل مع القضية، ستجده يقول: (أبي يرفض حتى فكرة الحوار مع اسرائيل)، لكن هذه الأجيال الجديدة الآن تفكر بشكل مختلف، لأنها تتعامل مع أدوات حديثة ظهرت في عالمنا فوسائل التواصل الاجتماعي مثل: التويتر، والفيسبوك، والوتساب، والمواقع الالكترونية، وغيرها ملكتها جزءً كبيراً من المعلومات التي بعضها مربك، وبعضها حقيقية، فكثير منهم بدأ يتساءل ما المشكلة في العلاقات الاسرائيلية الافريقية ؟ رب قائل: و ما هي المعايير التي تستند اليها، نجيب : راجع وسائل التواصل، ما كانت خطوة تطبيع العلاقات التشادية الاسرائيلية ستمر مرور الكرام قبل عقود، ونقول ايضا لقد شهدنا هجرات غير شرعية لشباب من افريقيا الى اسرائيل، فماذا بعد إن فتحت اسرائيل أبوابها للهجرة الشرعية؟
على الرغم من الاشكاليات التي واجهها الأفارقة في داخل اسرائيل إلا أنها قد تكون مثل الاشكالات التي يجدها حتى المسلمون الأفارقة في الاقطار العربية أو الاسلامية !
علماً أن الجيل الماضي من الآباء من ذهب لمناصرة قضية القدس منهم من مات هناك، ومنهم من اقام فيها ورحل بعد أن ترك ذريته هناك . ومن العوائل التشادية المشهورة هناك عائلة محمد مصطفى في سوريا و عائلة ادم ابراهيم في الأردن ويعدّ ابنه دكتور ابراهيم أحد الأطباء المشاهير في طب الأعصاب في الاردن، وهناك عوائل كثيرة في القدس هم نتاج رحلة ابائهم للجهاد من اجل تحرير القدس. ومن المؤسف أن ابناء هؤلاء المجاهدين لم يجدوا التقدير من العرب، ولا يتم ذكر هذا المجهود في البحوث والدراسات والتوثيقات المرئية ولم يتم دمج عائلاتهم في المجتمع العربي بصورة كاملة.
إن اسرائيل ركزت على طرح خطاب جديد وسط الأجيال الجديدة من الأفارقة (العلاقات الاستراتيجية : تبادل المصالح –والمعرفة – والاستثمارات- والمنح الدراسية المتعلقة بالعلوم الحديثة )، والدعم يختلف من دولة الى دولة أخرى : (في تشاد زراعة وسلاح و تكنلوجيا / وفي اثيوبيا : السدود وكهرباء …الخ).
وان هذه العلاقات تستثمرها بعض الدول لصالح شعوبها نتيجة لسياساتها الإدارية، وتخفق فيها دول أخرى، وإن العلاقات الصينية التي نجحت في بعض الدول الافريقية، وأخفقت فيها دول أخرى، لا تتحمل الصين هذا الفشل، فالفشل يعود الى الدول التي لم تستفد من الدعم والاستثمارات بشكل أمثل، وإن الدول التي فشلت في استثمار مواردها من الطبيعي أن تخفق في استثمار الدعومات خاصةً إذا لم تستفد من تجاربها السابقة .
إن التحرك الاسرائيلي بدأ منذ أعوام باهتمام من رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، و بمخطط محكم، تحت شعار(اسرائيل تعود الى افريقيا وافريقيا تعود الى اسرائيل)، وكانت الأهداف:
سياسياً: الحصول على أكبر قدر من الحلفاء في القارة الافريقية لضمان أصواتهم في المؤسسات التابعة للامم المتحدة، وصبّها في مصلحة اسرائيل لمواجهة التأيد الذي يحظى به الفليسطينين في الكثير من المحافل .
اقتصادياً : فتح منافذ تجارية واستثمارية لاستقطاب الدول الافريقية على الصعيدين الرسمي والشعبي، في كل المجالات الحيوية وخاصة (الزراعة والتكنلوجيا والتسليح).
ثقافياً: الاهتمام بالانتاج الافريقي الثقافي، وقد زارها بعض من الفنانين والمنشغلين بالفن كما اهتمت بالسينما الافريقية ومهرجاناتها، آخرها كان مهرجان الفيلم الإفريقي في تل أبيب، إسرائيل، من 16 إلى 20 يناير، 2018، وقد حمل شعار “ATESIB” الذي يعني “لا تقلق” في الأمهرية، وقد ناقشت هذه الأفلام قضايا القارة الأفريقية، و من بين العناوين: مواجهة الجدار (2016)، الكابتن توماس سانكارا: (2014)، كما قدمت محاضرات وعروض وثائقية وإذاعية.
انطلقت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى كينيا، وأوغندا، وإثيوبيا، ورواندا عام 2016 تاريخية، وكان أول زيارات لرئيس حكومة إسرائيلي إلى إفريقيا منذ عقود.
وقال الرئيس الكيني أوهورو كينياتا في مؤتمر صحفي بعد محادثات يوليو 2016 : نعتقد أن هناك حاجة مهمة لنا كقارة افريقيا لإعادة النظر في إسرائيل على أساس أكثر إيجابية”.
وجاء نتنياهو مرة أخرى إلى القارة مرتين، بما في ذلك كضيف خاص في قمة المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (ECOWAS).
ويقول ستيفن جروزد، من معهد الشؤون الدولية بجنوب إفريقيا : إن هناك صعودا وهبوطا في العلاقات بين أفريقيا وإسرائيل، مضيفا أنه في الوقت الحالي، يبدو أن المنحنى يشير إلى الأعلى.
وفي الخمسينات والستينات من القرن العشرين، كانت دولة إسرائيل تفكر في انشاء روابط قوية مع الدول الأفريقية، وكان فيها الكثير من عمال التنمية الإسرائيليين، وكان هناك العديد من الطلاب الأفارقة الذين يدرسون في إسرائيل، وتم تأسيس أكثر من 30 سفارة.
وقال جروزد إن الدول العربية حاولت إقناع الدول الإفريقية بقطع العلاقات مع إسرائيل، مضيفًا أن جهودهم كانت ناجحة.
ومن هنا مُنحت السلطة الفلسطينية صفة مراقب غير عضو في الاتحاد الأفريقي ، ومع ذلك، يبدو أن التحفظات تجاه إسرائيل تتضاءل، فقد افتقر الاتحاد الأفريقي إلى صوت قوي مناهض لإسرائيل منذ الإطاحة بالزعيم الليبي معمر القذافي في عام 2011، ولم يكن هناك احتجاج يذكر من جانب أفريقيا عندما اعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل .
ويميل السياسيون الأفارقة على أن يكونوا عمليين إلى حد كبير، وأقل قلقاً بشأن الإيديولوجيات مقارنة بالسنوات السابقة “.
فاسرائيل عملت باجتهاد من أجل توطيد وجودها الدبلوماسي سراً وعلناً في افريقيا، وذلك عبر التمهيد لإيجاد أرضية ثابتة في العلاقات الافريقية الاسرائيلية في المستقبل القريب.
ففي العامين الماضيين فقط زار نتنياهو كينيا في نوفمبر 2017 ، وقابل في لقاءات عديدة زعماء أفارقة، وقبلها زار يوغندا في يوليو 2016، وقد التقى بـرؤساء رواندا، وتنزانيا، وزامبيا، واثيوبيا، وجنوب السودان، وكينيا، وقد آتت هذه الجهود أكلها بأن تضم تشاد هذا العام الى القافلة .
اهداف اسرائيل من العلاقة مع تشاد
ان العلاقات الاسرائيلية مع دول القارة الافريقية الي كان اغلبها سرية سابقا بدأت تظهر الى السطح. فقد كانت هناك علاقات واسعة بدول افريقية عديدة لكنها كانت سرية، بعضها استراتيجية وعميقة، لكنها لم تظهر علنياً، لأن اسرائيل نفسها تقرأ ذلك : (الزمن المحدد والوقت المناسب ). وفي منطقة وسط افريقيا ودول السماك.، كان ينظر الى ان العلاقة مع تشاد قد تكون هي الأصعب. وبعد ان نجحت اسرائيل من تطبيع علاقاتها مع تشاد. والسؤال ، ماذا تريد اسرائيل في علاقاتها من تشاد في هذا الزمن تحديداً، ولماذا الإعلان عنها ؟
إن اسرائيل ستركز في هذه العلاقة على العوامل التي نجملها في الآتي :
الموقع الاستراتيجي لدولة تشاد، وأهميتها لدول وسط افريقيا.
الاستفادة من الجيش التشادي إذا دعت الضرورة.
ترجيح كفة الرئيس التشادي الى محور صفقة القرن، حيث أن ديبي تحرك بمبادرة من صفقة القرن التي تحتاج الى دول افريقية مسلمة أو غالبية سكانها من المسلمين.
ستكون تشاد أرضية تثبت من خلالها اسرائيل على أنها قادرة في دعم الأفارقة لتسلط الأضواء من خلال هذه العلاقة كمنبر محفز للدول الافريقية، لتستقطب علاقات جديدة بدول افريقية أخرى.
الاستثمارات في مجالات الزراعة، والتكنلوجيا، والتسلح، والأمن .
المنح الدراسية لضمان أجيال أكثر ولاءً، وعلى علاقة باسرائيل بشكل مباشر.
التوغل في وسط إفريقيا، والامتداد نحو غرب إفريقيا .
دعم تشاد في ليبيا على أن تكون خطوة في المرحلة القادمة في ليبيا الجديدة.
اغراء السودان بالدخول في صفقة القرن .
تاثير العلاقة على دول الجوار
إن تشاد تجاورها ست دول، وإن أغلب الدلائل تشير الى أن الدولة القادمة للتطبيع في المنطقة ستكون النيجر، ولهذا فقد اخترنا السودان كنموذج للقياس بمدى التأثير على دول الجوار، بسبب علاقة تشاد باسرائيل، فليبيا في وضع متأزمة، وافريقيا الوسطى على تطبيع مع اسرائيل، والكاميرون ونيجيريا على تطبيع جزئي، فالسودان هي الدولة الوحيدة المتبقية.
نرى أن هذه العلاقات ليس لها تأثير مباشر على دولة السودان على الرغم من أن دولة مثل تشاد والسودان بإمكانهما عمل خطط استراتيجية لأداء أدوار في المنطقة في المرحلة القادمة تصبّ حصيلتها لمصلحة البلدين.
فقد نجح البلدان في تأسيس القوات المشتركة التي يمكن تفعيلها وتطويرها كإسهام في حل الأزمة في ليبيا، وتأمين هذه المناطق بآليات سياسية مشتركة عبر الاتحاد الأفريقي.
وأن العلاقات الوطيدة بين تشاد والسودان، وهي عميقة ومتجذرة لم تطور بالشكل المطلوب ثقافيا وسياسيا، واجتماعيا، وما تزال تقليدية.
فلا توجد مشاريع استراتيجية واضحة مشتركة بين البلدين يمكن أن نشير اليها أو تفعيل برامج محفزة بين البلدين، فقد نجح النظامان التشادي والسوداني في تجاوز الخلافات السابقة بينهما، والبدء في تطوير مشاريع مشتركة مهمة قيد التنفيذ مثل : ميناء بورتسودان، وتأسيس لطريق عبر سكك الحديد (قطار)، واحياء طريق الحج حتى السنغال مروراً بتشاد ،وهي استراتيجية لكنها لم تنفذ على أرض الواقع.
وكذلك أصبح الاهتمام بالهجرة إلى السودان مطلوباً بغرض التعليم، بسبب نجاح الخريجين من السودان في دولة تشاد، وكذلك تنوع التخصصات المفيدة في الحياة العملية .
ولهذا فإن قبول حوالي ( 100 طالبا) في جامعة افريقيا هذا العام، يعدّ أهم خطوة في عام ٢٠١٨م ترمي لتعزيز العلاقات، والحال ينطبق على المنحة التركية التي شملت اكثر من (80 طالب) منحة كاملة (500 طالب) مقاعد جامعية كتخفيض في رسوم دراستهم، و نأمل من خلاله استشراف مستقبل أفضل، فقد تحدث الرئيس التشادي من قبل عن الذين تخرجوا بالعربية بصفة عامة والسودان بصفة خاصة مشيداً بجهودهم وانجازاتهم.
ولهذا على السودان وتشاد التفكير والعمل بجدية على تبني مشروع استراتيجي على غرار مشروع الجزيرة الزراعي ، يواجه من خلاله التحديات ويستعين بالخبرات لتنهض به من جديد على أن تكون نتاجها لصالح شعوب المنطقة كتجربة لمشروع يمكن أن يكون نواة لمشاريع مستقبلية للقارة.
فالعلاقات السودانية التشادية فاعلة شعبيا لكنها ضعيفة نخبوياً، وتكاد النخب السودانية لا تهتم بتشاد لظروف متعددة ليس هنا محل ذكرها.
وكذلك النخب التشادية لأن النخب الفرنكفونية لا تهتم ايضا بالسودان ولا بالدول العربية، وإن صميم اهتمامهم يصب في افريقيا والغرب، وهي النخبة الممثلة للدولة التشادية، لأنها هي من تمثل تشاد في المحافل الدولية والمؤتمرات والمناصب في الدولة، والكتابة والتاليف، والمهرجانات، والثقافة . وهذا لا يعني غياب النخب العربية في تشاد، فهي أيضا تتحرك لكنها بأقل قدرة من نظيرتها الفرنكفونية.
وحقيقة أن العلاقات التي ترتبط بمصالح الشعوب، هي الأقوى ، والأعمق ، فعندما غادرت السفارة القطرية جزر القمر، خرج الشعب في مظاهرات عارمة لتأييد ومناصرة دولة قطر، لأن المساعدات القطرية كانت تمس الشعب القمري، من طرق ومدارس …الخ
وأن الذي يتابع الأوضاع في المنطقة يستشعر أن هذه الخطوات التي قام بها الرئيس ادريس ديبي لم تكن فردية، والأرجح هي جزء من صفقة القرن، وأن السلطة التشادية مدركة لأبعاد القضية، ولهذا أن إسرائيل لن تفكر بدعم الحركات المسلحة السودانية، ولن يقبل ديبي مهما كانت الدواعي والمصالح، لأنه أكثر تشادي يعرف عواقب ذلك على أمن المنطقة والنظام في تشاد ؟
وإذا فكر في ذلك فإنه يخلق في أزمة لا يحمد عقباها خاصة في ظل ترديء الأوضاع الاقتصادية في بلاده اضافة الى الاحتقان الداخلي في بلاده، فقد شهدت تشاد خلال الثلاث سنوات الاخيرة مظاهرات، واعتصامات الى درجة المدينة الميته (ville morte) .
تشاد والمحاور الجديدة في الاقليم
ان الازمة في ليبيا ساعدت بتأزم الأوضاع في المنطقة خاصة لدى دول الجوار. وتشكلت محاور جديدة بعد تدهور العلاقات السعودية القطرية، فاصبح هناك المحور التركي، والقطري، والإيراني، والمحور السعودي، والإماراتي، والمصري – في المنطقة – ( ليبيا) ؟
ونجد تشاد مع المحور السعودي في اليمن، وكذلك في ليبيا !
وفي الوقت نفسه عضدت تشاد علاقاتها مع تركيا، وزارها الرئيس رجب طيب إردوغان، وأعادت علاقاتها مع قطر بعودة السفارة التشادية بعد انقطاع قصير ، وكذلك تم تبادل الزيارات، بين الرئيس التشادي ادريس ديبي والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.
ففي خلال هذا العام 2018، زار خلالها الرئيس التشادي : مصر، وتركيا، والامارات، والسعودية، والسودان، ونشهد الآن استثمارات مع كل هذه الدول في مجالات متعددة .
والمؤكد أن تشاد في المحور (الإماراتي، السعودي، المصري )، واستنتاجنا لذلك يعود الاهتمام التشادي بالمجال العسكري لحماية الحدود التشادية الليبية خوفا من المعارضات التشادية المسلحة، والحركات الإسلامية، فلهذا يفضّل ديبي كتلة حفتر الذي يعرفه وتربطه علاقة قديمة بالرجل، منذ أن كان اسيرا في الحرب التشادية الليبية .
وهذه الكتلة هي كتلة عسكرية (الجنرالات) : ( السيسي، وديبي ، و حفتر)، وديبي لا يطمح بأكثر من حماية شريط الحدود التشادية الليبية. وإن دولة تشاد في الوقت الراهن لا تحمل العداء لأي من هذه الدول، فهل يجتهد ديبي للتقرب من اسرائيل خوفا من فرنسا التي بدأت تفكّر بالتخلص ممن طالت أعمارهم في الحكم في إفريقيا، وقد بدأت فرنسا تواجه حملات من الجيل الجديد من الأفارقة بأنها دولة داعمة للديكتاتوريات في افريقيا وهي أس مشاكل القارة. وتواجه ضغوطا بسبب الهجرة غير الشرعية، وكذلك قضية الفرنك الافريقي …الخ
كما حدث مع ماكرون الرئيس الفرنسي في مداخلة شهيرة في زيارته لبوركينا فاسو نوفمبر 2017م، عندما تداخل الطالب التشادي بالإشارة إلى ذلك . وكذلك تصريح الفرنسيين ذوي الأصول الإفريقية، ودعوة الناشطة السنغالية الشهيرة فال، والكتاب والأدباء والمفكرين الأفارقة الذين صرحوا بأن فرنسا هي أحد أهم أسباب التخلف في إفريقيا . وتصريح الوزير الفرنسي السابق والذي تحفظ على ذكر اسمه في أحداث القبعات الصفراء، نقلاً عن  موقع “أفريكا 24 أنفو ” حيث قال “لماذا يصر ماكرون اضافة الضريبة على الوقود في وقت يجب أن يكون متاحا لجميع الفرنسيين .و أن فرنسا تدفع فقط 10 بالمئة من كل الخام الذي انتزعته رسميا من افريقيا، لا أفهم لماذا يستمر سعر الوقود والكهرباء في الارتفاع في فرنسا كل عام، و يتم استخراج معظم هذه الموارد من مستعمراتنا السابقة مجانا “.
وفي كل الأحوال إن فرنسا لن تتخلى عن افريقيا بسهولة كما يظن الأفارقة، ولن تتوقف نضالات الأفارقة أبداً كما تعتقد فرنسا.
وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في زيارة لأول مرة الى العاصمة التشادية انجمينا 21 ديسمبر2018م ،لقضاء عيد رأس السنة في القاعدة العسكرية الفرنسية ، ضمن عملية برخان التي أطلقتها باريس في أغسطس 2014 وقد وصل مع عدد من المسؤولين إلى انجمينا ، والتقى الرئيس التشادي ، وشاركا في حفل خاص مع 4500 من الجنود الفرنسيين ، موجودين لأهداف تتعلق بمكافحة التمرد في منطقة الساحل الأفريقي، ضمن عملية برخان التي تم تنسيقها مع البلدان الخمسة المحاذية للساحل التي تعرف ب (جي 5 ) ، وهي : تشاد وبوركينا فاسو، و مالي، وموريتانيا ، والنيجر.
وتعمل هذه القوات بمساعدة تشاد لمواجهة حركة بوكو حرام المتمركزة في غرب تشاد، وشمالا على الحدود المحاذية لليبيا.
وفي مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الفرنسي أكد فيه الرئيس التشادي إدريس ديبي أن القوة العسكرية التابعة لمجموعة الخمس في الساحل، ستبدأ في شهر يناير من العام 2019 عمليات محددة بالإمكانيات المتاحة، وأن القوة العسكرية التابعة لمجموعة الخمس تلقت 150 مليون يورو من أصل 400 مليون ، وعدت أن تمنحها لهم المجموعة الدولية ، وفي حال لم يتم حل الأزمة الليبية فستطول فترة مكافحة الارهاب ، ومن ثم وجه شكره لفرنسا : تخيلوا إن لم تتدخل فرنسا في مالي وجمهورية افريقيا الوسطى كيف سيؤول اليه حالنا، في اشارة الى ضرورة الوجود الفرنسي وتعزيزه .
ولهذا فزيارة ماكرون جاءت تأكيداً لتعزيز العلاقات التشادية من جهة ، ومن جهة أخرى تدخل في عملية التنسيق بين الأبعاد الأمنية والعسكرية للعلاقات التشادية الاسرائيلية الجديدة خاصة في منطقة الحدود الليبية التشادية.
ولهذا فالعلاقات بين الدول لا تعتمد على العرق أو الدين أو الثقافة كما يظن البعض، فالترويج لهذه الأدوات، يظل ثانوياً إن غابت مصالح الشعوب، وإلا لما كانت العلاقات الصينية الإفريقية متينة وهم لا تجمعهم ثقافة، ولا معتقد، ولا شكل، ولا أي شيء سوى المصالح المتبادلة.

شاركنا رأيك

بريدك الإلكتروني مؤمن ولن يتم اظهاره للعلن.