المركز العراقي الافريقي للدراسات الاستراتيجية
الموقع الرسمي

كيف تم توظيف القيم الثورية في المسرح الأفريقي  

0

        المسرح في أفريقيا كان بطبيعته أنشودة احتفال يشارك فيه شعب حر يغني في الهواء الطلق لكن بعد الاستقلال أوجدَتْ البرجوازية الانقسام الثنائي بين المَشاهِد والجمهور فجرى حينها تثبيت الكراسي الفخمة، في مدرج هندسي إمبريالي تسطع فيه الأضواء المبهرة كما تحيط به الجدران النظيفة التي طُلِيت جيداً حيث يختلف كل صوت وقُرِرَت أين تُقال كل كلمة أو يمكن البدء بها….

        بعد ان كان المسرح الافريقي يمتاز بطبيعة ذات وظائف اجتماعية تعد انعكاس لحال المجتمعات المحلية؛ أي مسرح قائم على مزج النزعة الكوميدية بالاتجاه الواقعي التي تروي من منظور متجاوز التعقيد في الأحداث، والصراع فيه ليس صراعا بين الآلهة والبشر كما هو الحال في المسرح الإغريقي القديم ولا هو صراع بين العاطفة والواجب كحال المسرح الأوروبي بعد عصر النهضة  إنما هو صراع بين قوي الظلم وقوي العدالة بين ما هو واقعي ومثالي وبطبيعة الحال ظل المسرح في ” أفريقيا جنوب الصحراء” على مدى قرون شفويا ومرتجلا وأستخدم لغة الجسد فى تناغم مع إيقاعات الطبيعة مترجمآ كل ما يريد توصيله إلى إشارات صوتية مستخدماّ في ذلك كل الوسائل المتاحة آنذاك الوقت من أشكال تعبيرية متمثلة في الأقنعة والطبول؛ لأن الإيقاع الصوتي العضوي والخارجي له خاصية جوهرية في الثقافة الأفريقية بشكل قومي بمعني إنها كانت حاضرة في المناسبات الاجتماعية المختلفة من حفلات بلوغ والزواج وحفلات الحصاد وإعلان الحرب.

        ولهذا كان للمسرح الإفريقي وظائفه الاجتماعية المتعددة قبل ان تنتهي التلقائية من عروضه والفعل أصبح مميت أكثر مما هو غير منعكس مع ضعف دور الموسيقي…. اليوم العجز التي اوجدته المقولة النخبوية “الفن للفن” علي الجماهير يتشابه مع شعور الاستلاب الناجم عن السياسات التي يفرضها الكونجرس الأميركي على العالم… لهذا النوع من الجمهور والذي للمفارقة “هو هناك” لكنه غير موجود أو وجوده غير الملموس مرتبط بعدم تفاعله من جهة، ومن جهة أخرى بفرض الفنان نفسه كالمسيح المقدس الذي لا يمس و هذا الشرط من التلقي الصارم تجاه الفن ينعكس على السلوك العام للجماهير في المجال السياسي ظاهرة “المسرح الانتهازي” الذي لا يخلو فقط من بنيته ولكنه أيضا يفتقر إلى المعنى… فتأثير هذا الوهم المسرحي تخضع لسلسلة من التبريرات التي تهدف إلى إعطاء شرعية لمصالح أولئك الذين يتلاعبون بهم…. ففي بداية القرن العشرين مع دخول المستعمر الاوروبي ارتبط تاريخ المسرح، بداية بتطور السيرورة الدينية ثم جرى تحويل “المقدّس” إلى نص وتمثيل لا يُمكن المساس بهما.

“الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض، لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون للكل”.  (إنجيل متى- الإصحاح الخامس، ١٨)

      هذا الطابع الدوغمائي يتمظهر أيضا في النص المسرحي حيث يتماهى مع الخطاب الديني فتنكشف العلاقات الفوقية المُحَوِّرة للجمهور التي يتبناها الكاتب المسرحي.. القناع الذي تم استخدامه في المسرح الاستعماري اعتمد على الشخصيات التي تُقَدِم الإنسان على حقيقته الاجتماعية كموضوع معروف ومحدد مسبقاً لا يتيح أي مجال للتغيير، الشخصية تخضع للصفات التي يفرضها القناع والذي نزعت إنسانيتها وملئت بوظيفة مفيدة تلبي الأحداث الجارية في المسرحية….

    هذه الشخصية الكاريكاتيرية المحددة ضمن وظيفتها الاجتماعية، كالبروليتاري المستَغَل والمستَلَب حيث تظهر طبقته هي الضحية، تطور هذه السيرورة لا تشل المرونة ولكن تُظهر أيضا في المسرح والمجتمع، تفاهة هذا القناع وتتبلور من خلال آدائها لوظيفتها وتعزز البنى التي من المرجح أن تخلق واقعا اجتماعيا مناسبا ومن خلال حصرها بنهايتها المحددة سلفا، المشاهد ذو السلوك السلبي، يصبح صورة عن ثقافة مرغوبة جماهيرية التي تفضل الاستلاب بدلا عن اتخاذ موقف نقدي فكَّرى للواقع…

           لنأخذ على سبيل اعمال ” مكسيم غوركي” التي جرى ارتجالها وعرضها في الكاميرون عام 1940، كيف أثارت جدلا واسعا لأنها انقلبت على العادات التقليدية للمسرح والدراما البرجوازية قدمت نقداً لاذعاً للكنائس الارسالية من خلال تقديمها لخطاب حول القيم الاشتراكية.

      الضجة التي أثارتها تلك العروض والأعمال المسرحية بعد العرض، تُظهر أهمية المسرح الريديكالي كمحرك ثوري، وكمترجم للأفكار المتعلقة بحراك ادبي كانت بدأت بالتشكل في المنطقة وكان من ضمن همّها معالجة الوقائع، من خلال استعادة تاريخ الاستغلال والقمع في غرب أفريقيا بعد القضاء علي الأدب الشفهي…

       وعلى لسان الكاتب يقول: لكن هذا المسرح لم يمُتْ من يقتلوه هم الذين يدعون إلى جنازته كل يوم انا ورفاقي الذي يأكدون على الهوية الأفريقية للمسرح الافريقي لكن دون التعصب لفكر الزنوجة نبذل جهدنا لإعادة احياء مسرح شعبي تفاعلي، وفق منطق جدليّ يقلب كل علاقة سلطوية، سواء تعلق الأمر بين الأوضاع التي تتعلق بالأحداث الواقعية أو تلك الخيالية التي تكوّن بنية المسرحية نفسها: العلاقة السلطوية التي تشكل النص بمواجهة تقديمه، وبين المخرج والممثل، وبين الممثل والمشاهد، وبين الممثل والأداء الذي يقدمه.

      هذا الأمر هو تجسيد لأزمة المسرح المعاصر الذي يتطلب خلق لغة جديدة، وإنتاج علاقات جديدة ضمن إطار إعادة النظر بكل من: اللغة المطلقة للكتابة المسرحية، والتسلسل الزمني المسطَّح والتمهين المتغطرس للكاتب المسرحي، والتقديس المطلق للنص، وتثبيت قناع الممثل وتقديم المسرحية كمحاضرة..

     فعندما يصبح المخرج حرا يجعل النص مرِنا، عبر استخدام أساليب الارتجال كمادة خام تُقَدّم للمشاهد وكأداة للتحرر الثقافي، هذا المسرح هو لخدمة الشعب: لا يعترف بجمهور يفرض نفسه انطلاقا من موقعه الطبقي، لأن الخطاب المستعمَل يندرج ضمن الأحداث الحالية والوقائع الاجتماعية الواسعة الانتشار، مثيرةً لدى المشاهد الرغبة بالتحرك إزاء الوضع الراهن..

      فتدمير النص المسرحي هو تدمير لـ”الإله” من خلال تحرير الذات من المقدس، نتحرر من قيود الحتمية عبر تقديم إمكانية التغيير المباشر عبر المسرح المشكِّل لأرضية مشتركة بديلة للمؤسسات والبنى السياسية القمعية من هنا يتحرر المسرح من خلال التخلص من الطقوس المتعبِّدة لنصوص غير قابلة للتغيير واستبدالها بطقوس الثورة المترافقة مع تجذير للأفكار الراديكالية الاجتماعية.”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – من كتاب الكاميرون الذين اشتهرت مؤلفاتهم في الخمسينات بالانشغال على تيمة الهوية الأدبية والإفريقية من غير تعصب للزنوجة.

شاركنا رأيك

بريدك الإلكتروني مؤمن ولن يتم اظهاره للعلن.