المركز العراقي الافريقي للدراسات الاستراتيجية
الموقع الرسمي

كيف يصنع الغرب الإرهاب ويمّوله الأفارقة؟

0

بداية سوف تتحدث هذه المقالة في إطار سلسلة الوعي_الأفريقي_ونقد_الموروث: حيث ستكون مقالتنا تحت عنوان لعبة الغرب الكبيرة في أفريقيا : أو كيف يصنع الغرب الإرهاب ويموله الأفارقة؟

إذا أردنا أن نفهم كيف تتم هذه العملية من خلال عملية الإستقراء المركب فيتضح أنها تمر بعشرة مراحل يمكن أن نعرضها كما يلي :

المرحلة الأولي : التركيب والفك للمجموعات الإثنية :

حيث أنه بعد الاستعمار عملت القوى الغربية على ربط القوميات المختلفة على بقعة جغرافية واحدة ، ثم رجعت لاحقاً عبر الميليشيات القوميات الغاضبة بتشجيعها على التمرّد، وتزويدها بأحدث الأسلحة، لزعزعة الاستقرار في دولة (أ) أو (ب)، حيث أُطلق عليهم حركات التمرّد.

المرحلة الثانية : بيع السلاح للنظم الحاكمة لمواجهة حركات التمرد :

تجد الدولة (أ) نفسها مجبرةً أمام العتاد المتطور لدى الميلشيات وحركات التمرد المسلحة . فتهرول لشراء الأسلحة هي الأخرى للدفاع عن أمنها القومي ضد المتمردّين. فيأتي الغرب مرةً أخرى ليبيع لها السلاح .

المرحلة الثالثة : التحكم في الإحتياطي النقدي للدول الأفريقية :

بما أنّ معظم دولنا لا تملك أموالاً نقدية مودعة في حسابها البنكي، فبعض الدول الاستعمارية تحتفظ بنصف احتياطات بعضها، فمثلا دولة كفرنسا هي التي ترجع مرةً أخرى لتعطيها قروضاً بأعلى معدلات الفوائد على المقياس العالمي، بالتواطؤ مع شخصيات سياسية عميلة لها، تحوّل إلى حساباتهم بعض فُتات الرشوة ليخونوا أوطانهم. والمحصلة قروضاً تدفعها الأجيال القادمة.

المرحلة الرابعة : استغلال انعدام الأمن ونهب الثروات الأفريقية :

فبينما تتقاتل الدولة (أ) ضد المتمردين، يستغّل الغرب انعدام الأمن في الدولة (أ) لسرقة ونهب الثروات المعدنية، كالذهب، والماس، والكوبالت والكولتان للهواتف، حتى الهيدروكربونات، كما يحدث في كل من ليبيا , الكونغو , مالي , أفريقيا الوسطي , والحبل علي الجرار ……. إلخ .

المرحلة الخامسة : التحالف مع المتمردين :

في خضّم المعركة، تتمكّن الدولة من القبض على بعض عناصر المتمردين، وتجعل منهم أسرى. فيتصل قادة المتمردين بحلفائهم في الغرب، تهددهم بالتخلّي عن الحرب ضد الدولة (أ) إنْ لم تضغط على الحكومات للإفراج عن المقاتلين السجناء التابعين لها .

المرحلة السادسة : لعبة الرهينة المزيفة وخداع النظم الحاكمة :

حيث أن الغرب الذي لا يريد وقف الحرب الأهلية، فيقوم بإستعادة أحد جنوده المتقاعدين، وتُدّربّه للتظاهر بدور الضخية، وترسله إلى قرية قريبة من معقل الميليشية كقسّ كاتوليكي، أو موظّف منظمة انسانية، لتحتجزه الميليشية كرهينة. ثم توعز إلى قنواتها (CNN)، (BBC)، (France 24) و (RFI) أنْ تذيع أنّ المتمردين، أو حركة إرهابية قد أسرتْ رهينة فرنسية، بريطانية، أمريكية في الصحراء الأفريقية؛ وأنّ دولة (أ) تشكل خطورة كوجهة سياحية، ومؤشر الأمن فيها منخفض، لأن زعيمها دكتاتور، يقمع شعبه، يتجنّب الحوار والديمقراطية، وهذا ما أدى إلى ظهور التمرّد وميليشيات مسلّحة في دولته. يجد ذلك الزعيم نفسه تحت وابل من الانتقادات على المستويين الداخلي والخارجي .

المرحلة السابعة : الفدية المنهوبة من معادن أفريقيا :

لتحسين صورته، يجلس الزعيم على طاولة الحوار للتفاوض مع المتمردّين، يتفق الطرفان على تحرير الأسرى والعناصر الإرهابية؛ فيحرر رئيس دولة (أ) السجناء المحلّيين، ويأتي الغرب ليدفع فدية من عوائد المعادن النفيسة التي نهبها وقت يتعارك الفريقان، لإطلاق سراح السجين الفرنسي، أو البريطاني ( المزعوم)، لأنّ الفدية تمويلٌ علني للإرهاب والتمرّد تحت غطاء تحرير الرهائن.

المرحلة الثامنة : استخدام المتمردين الفدية كمصدر تمويل لشراء الأسلحة :

حيث في تلك المرحلة يبتهج المتمردون، والتنظيم الإرهابي بأموال الفدية، فيلقون سراح الرهينة. ثم لاحقاً، يتّصلون بحلفائهم الكنديين، الفرنسيين، أو الأمريكيين لإعطاء واجب الامتنان والشكر للفدية التي في الحقيقة هي هبة يسيرة مقارنة بما تنهبها الشركات الغربية المتعددة الجنسيات، فيؤكد المتمردون مواصلة التمرد والإرهاب. في الغد يسلمّون بعض الأموال التي تلقوها إلى مجمّعات صناعة الأسلحة الغربية التي تعمل مع حكوماتها، والتي بدورها تمنحهم المزيد من الأسلحة. هذا ما يفسّر، لماذا عناصر إرهابية كبوكو حرام أكثر تسليحًا من حكومة نيجيريا التي هي أغنى دولة أفريقية، بينما ليس لبوكوحرام أي مصدر دخل معروف.

المرحلة التاسعة : بداية دورة جديدة من التمرد بعد الحصول علي أسلحة جديدة :

حيث أنه يتسلم المتمردون الأسلحة الحديثة والمبتكرة، ثم تبدأ الدورة من جديد، صراع مسلح بين دولة (أ) والتنظيم المسلح، والرابح على المدى القصير شركات الغرب ك( Shell) (BP) (Exon Mobile ) (Total) (ENI) (OXY) (ELF) (Chevron) (Areva) (Anadarko) ويزيد.

المرحلة العاشرة : عقلنة النهب وصناعة الإرهاب :

لقد نهج الغرب علي طريقة دعم التمرد والحروب الأهلية لإضعاف القارة الأفريقية، حتى 2001 بعد أعقاب 11 سبتمبر، حين أدرك أنّ بإمكانها توظيف الإرهاب ذاته الذي ضرب أبراج الولايات المتحدة، حيث يتعمق وعي المجتمع في دولٍ كثيرة لحمل السلاح ضدّ بعضهم بعضا.

ما السبيل لذلك ؟

الحل الذي وجده الجشع الغربي، بدل تسليح جماعة متمردة تهاجم الحكومة الشعوب،أنّه، لجأ -بدلا من ميليشية متمردة- إلى تنظيمات إرهابية، ترهب الأمم بزعم رغبة قيام خلافة إسلامية. فبدأ مع بوكو حرام في نيجيريا 2002، لأنّها أغنى دولة وأكبر احتياط النفط في القارة. أمّا جنوح القواعد العسكرية إلى القارة الأفريقية تحت مزاعم مكافحة الإرهاب والتطرّف، فتفسيره؛ هو “منطق اللصّ” على حد تعبير الفيلسوف والكاتب المصري ( مصطفى محمود). فلصوص الرأسمالية، تصنع ظروف النهب، ثم تلبسها لباس المنطق.

فمثلا وجود ميليشيا (Mai Mai) في شرق الكونغو، ما يُمَنْطق تواجد القاعدة الأممية التي تعمل كغطاء للشركات الغربية التي تنهب ما يقدر بـ 24 تريليون دولار من الرواسب المعدنية غير المستغلة، وأكبر احتياطيات من الليثيوم والكولتان الكوبالت في العالم الضرورية للهواتف، من دون كونغو لا هواتف.

أما تنظيمي الدولة الإسلامية، والقاعدة في المغرب العربي، يعطي منطقاً لتواجد القواعد العسكرية، كسقف مظلة لنهب ذهب مالي، ومعدن الماس في أفريقيا الوسطى.

ويقول مصطفى محمود، ( 1927-2009) في كتابه ” الله والإنسان” : ” لصوص المنطق، لديهم جهاز للسرقات المشروعة التي يحميها القانون، وتحميها غفلة الناس.. أمّا الذي يدفع ثمن هذه الخطايا كلها هو لصّ الدجاج الغلبان، الذي يُقبض عليه بقفص الكاكيت ويُساق بزفةٍ مزريةٍ إلى التخشيبة لأنّه لصٌ بلا منطق..بلا مبدأ يُزيّف به سرقاته. فلتذكر هذا إذا أردت أن تكون لصاً ناجحاً.. ابحث لك عن منطق.. واترك الباقي لغفلة الناس”- الله والإنسان ص (35).

وبالقياس لو تأملنا صناعة الإرهاب، نجد أنها هي إضفاء منطق اللصّ على الوجود العسكري الغربي في القارة الأفريقية، والضحايا القليلة في صفوف الحركات المسلّحة على أيادي حكوماتنا، مجرد لصوص الدجاج، أما جهاز السرقات المشروعة هو الغرب.

ونتذكر ما قاله غوردان داف، مدير أكبر منظمّة استخباراتية في الولايات المتحدّة الأمريكية(Veterans Today)، ومستشار عسكري ودبلوماسي ل 84 دولة حول العالم، وأحد قُدامى المحاربين في فيتنام، في ” المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب والتطّرف الديني ” : ” الحركة الإرهابية بوكو حرام حقيقة، لكن في تشكيلها الحالي هي وكيل للقوى الخارجية لبَلْقنةِ نيجيريا. حيث أن نيجيريا ساحة لعبٍ رائعة، فهي الجهة الجنوبية للقارة، وهي أكبر بكثير من مجرد إيرادات النفط المسروقة، والألعاب الغامضة حول خطوط أنابيب الغاز. فنيجيريا هي أفريقيا، الدولة الأكثر سكاناً، والأكبر ثروةً في النفط والغاز، والأعلى في الإمكانيات الاقتصادية، وأكبر سوق محمل لنا”( ماكينة النهب/The looting Machine)

لديّ يقين ثابت أنّ حركة بوكو حرام، في غطائها حركة إرهابية، لكن في جوهرها عصابة جريمة منظمّة، تسرق الموارد الطبيعية، تتاجر في المخدّرات، وتخطف وتغتصب الفتيات. بوكو حرام مشروع دومينو بُنِي له تربة صالحة، يُراد لها أن تُسقط نيجيريا وتسقط بعدها دول الأطراف تباعاً. ك” عصا موسى تبتلع كل الأفاعي”

كما أنه ليس صحيحاً أنّ كلّ حكومات أفريقيا فاشلة، أو هشّة، الصحيح أنّها عاجزة حقاً أمام الرأسمالية الغربية المتوحشة، والعملية ذات المراحل العشرة التى أوردناها؛ كعصا موسى تبتلع الأفاعي. زاويتي للنظر هذه، ليست نابعة عن نظرية مؤامرة، إنّه التفكير المركّب (La pensée complexe)، تفكير يسمح للمحللّ بالربط بين عناصر حدثٍ، تبدو في الوهلة الأولى غير مترابطة، لكن في الختام، يدرك المرء أنّ كل حدثٍ يؤدي للآخر كسلسة جبال الأطلس!

وأخيرا : إليكم هذه الأسئلة للتأمّل وللتفكير النقدي، فاليوم الأجوبة لديكم يا معشر المتابعين، أثق بذكائكم:-

1-في هذه اللعبة الكبيرة، من سيكون المنتصر ومن المنهزم على المستوى البعيد؟

2- ما هي أية استراتيجية مقاومة يمكن للأفارقة أن يتبّنّوها ؟

3- وأية مرحلة من المراحل العشرة إذا عاكسناها، نستطيع معها تغير قواعد اللعبة لصالحنا؟

شاركنا رأيك

بريدك الإلكتروني مؤمن ولن يتم اظهاره للعلن.