المركز العراقي الافريقي للدراسات الاستراتيجية
الموقع الرسمي

مشكلة الاندماج الوطني في نيجيريا

0

مقدمة
إبان حصول العديد من الدول الأفريقية على الاستقلال في نهايات الخمسينيات وبدايات الستينيات من القرن الماضي، تطلع الزعماء الأفارقة إلى خلق الدولة-الأمة، على أساس الحدود السياسية التي ورثوها عن الاستعمار الغربي، إلا أن السنوات التالية للاستقلال شهدت الكثير من التطورات والأحداث التي هددت تلك التطلعات، مما جعل هدف رؤساء الدول الأفريقية يتمثل في إزاحة التفكك الذي أضحى يخيم على دولهم، باستخدام الأدوات السلمية تارة، والقوة المسلحة تارة أخرى، وتعد الحرب الأهلية التي نشبت في السودان وتشاد والحرب العرقية بين الهوتو والتوتسي في بوروندي فضلا عن الصراعات الدموية في كثير من بلدان أفريقيا، الأمر الذي أدى إلى انتشار واتساع نطاق مشكلات الاندماج الوطني في القارة الأفريقية.

ارتبطت مشكلات الاندماج الوطني في أفريقيا بأزمات متعددة مثل أزمات التنمية وندرة الموارد، فضلاً عن أزمة الاستقرار السياسي والشرعية السياسية، وتزداد هذه الأزمات سوءاً في ظل مشكلة الاندماج الوطني، فالجماعات والأقاليم الغنية تنظر بعين الشك والريبة للجماعات والأقاليم الفقيرة، ما يدفعها إلى الاتجاه إلى الانفصال بثرواتها، وغير ذلك من المشكلات والأزمات التي تهدد وحدة الدولة الوطنية.

في هذا السياق، تناول الباحث مشكلة الاندماج الوطني التي تعاني منها معظم الدول الأفريقية، وقد تطرق الباحث في دراسته إلى دولة نيجيريا، كونها تمثل نموذجاً جيداً لهذا النوع من الدراسات، فهي من أكبر الدول الأفريقية سكاناً، الذين يتميزون بكثرة الانقسامات سواء كانت انقسامات عرقية كالهوسا، فولاني، الإيبو، واليوروبا، أو انقسامات دينية، كالمسلمين والمسيحيين وأتباع الديانات الطبيعية، أو انقسامات إقليمية، كما في مناطق السافانا ومناطق الغابات جنوب نهر النيجر، أو انقسامات تاريخية، والتي تتمثل في الإمبراطوريات والممالك والإمارات والتجمعات السياسية الصغيرة. ولم يقتصر الأمر على وجود تلك الانقسامات، لكنها تطورت لتأحذ شكل صدامات عنيفة، بعضها كانت عرقية كما حدث في المذابح الجماعية ضد الإيبو، وأحداث كانو في عام 1953، والاضطرابات الدموية في عديد من المدن الشمالية خلال عام 1966، وفي بعض الأحيان أخذت تلك الصدامات شكلاً إقليمياً ودينياً، ويعد محاولة انفصال الإيبو بإقليم جنوب شرق نيجيريا عام 1967، والذي أدى إلى حرب شديدة استمرت حتى يناير 1970، أبرز مثال على ذلك. وجدير بالإشارة إلى أن تلك الصدامات بين الجماعات النيجيرية كانت في سبيل السيطرة على مقاليد الحكم في البلاد.

الإطار الزمني للدراسة

ولقد ركز الباحث على الفترة الزمنية الممتدة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، لأنه قبل تلك الفترة كان الشمال النيجيري منفصلاً عن الجنوب، أما بعد الحرب فقد أنشئ الاتحاد الفيدرالي النيجيري بمقتضى الدستور الذي صدر في عام 1946، الأمر الذي أدى إلى دخول شمال نيجيريا مع الجنوب في مؤسسات مشتركة، وفي ذلك الوقت ظهرت مشكلة الاندماج الوطني في نيجيريا.

وقسم الباحث دراسته إلى فصل تمهيدي، وأربعة فصول رئيسية:

وقد بدأت الدراسة بفصل تمهيدي، تناول خلاله الباحث الإطار النظري للدراسة، حيث انقسم إلى أربعة مباحث، في المبحث الأول تناول مفهوم الاندماج الوطني، وتحديد علاقته ببعض المفاهيم السياسية ذات العلاقة به، ثم محاولة مواءمة مفهوم الاندماج الوطني ليناسب الواقع الأفريقي عامة والواقع النيجيري خاصة، وفي المبحث الثاني تطرق الباحث إلى تحديد عوامل مشكلة الاندماج الوطني ومظاهر هذه المشكلة، وفي المبحث الثالث تناول أهم مداخل وأدوات مواجهة مشكلة الاندماج الوطني، وأي هذه الأدوات والأساليب أكثر مواءمة للدول الأفريقية، تحديداً دولة نيجيريا.

وفي الفصل الأول، تناول الباحث عوامل مشكلة الاندماج الوطني في نيجيريا، حيث تطرق في المبحث الأول إلى أشكال الانقسامات الموجودة فيها، ومن حيث أسس الانقسام بين الجماعات النيجيرية، وتناول المبحث الثاني عملية تعبئة وتنشيط واستثارة هذه الانقسامات لتأخذ المشكلة الاندماجية طبيعة دينامية، من خلال التطرق لدور العوامل المحلية والخارجية.

أما في الفصل الثاني، تطرق الباحث إلى مظاهر مشكلة الاندماج الوطني في نيجيريا، حيث تناول في المبحث الأول مظاهر المشكلة في الإطار السياسي، من خلال التطرق للصراع بين الجماعات النيجيرية للسيطرة على الحكم المركزي، وطبيعة العلاقة بين الأحزاب السياسية خاصة ذات الطبيعة العرقية والإقليمية، كما تطرق إلى الخلاف بين الجماعات النيجيرية حول بنية الدولة، وتهديد كيان الدولة بالانفصال أو القيام بذلك بالفعل، وخلال المبحث الثاني، تناول مظاهر مشكلة الاندماج الوطني في الأطر غير السياسية، والتي تمثلت في مظاهر المشكلة في الأطر الاقتصادية، الثقافية، والدينية.

وفي الفصل الثالث، تناول الباحث أدوات مواجهة مشكلة الاندماج الوطني في نيجيريا في الإطار السياسي، ففي المبحث الأول، تناول بنية الدولة ومواجهة المشكلة، من خلال عرض عدد وحجم الوحدات المكونة للاتحاد الفيدرالي، وعلاقات المركز بوحدات الاتحاد، والاتجاه لتغليب الجذب المركزي، وتطرق المبحث الثاني إلى مؤسسات الحكم ومواجهة المشكلة، من خلال دراسة تطورات الفترة البرلمانية ما قبل 1966، والفترة الرئاسية في الفترة من 1979 حتى 1983. وفي المبحث الثالث، تناول النظم الحزبية والانتخابية ومواجهة المشكلة، من خلال التركيز على الضوابط الدستورية للأحزاب السياسية في الجمهورية الثانية في نيجيريا، والتطرق إلى طبيعة التأييد الجماهيري للأحزاب السياسية في نيجيريا.

وفي الفصل الرابع، تناول الباحث أدوات مواجهة مشكلة الاندماج الوطني في الإطارين الاقتصادي والأمني، ففي المبحث الأول، تناول أدوات المواجهة في الإطار الاقتصادي، من خلال التركيز على الأدوات التوزيعية ونظم توزيع الموارد في الدولة، وأثر قوى التفاعل الاقتصادي والاجتماعي، وتناول المبحث الثاني أدوات المواجهة في الإطار الثقافي، من خلال الاعتماد على السياسة التعليمية كأداة لمواجهة المشكلة، والسياسة اللغوية.

 وختاما، طرح الباحث نتائج دراسته، والتي ارتبطت بعضها بالمشكلة، وبعضها الآخر ارتبط بمحاولات حلها، في حين أن بعضها الثالث ارتبط بالحالة الراهنة لمشكلة الاندماج الوطني في نيجيريا.

نتائج الدراسة 

 توصل الباحث إلى أن العامل الحاسم في تطور مشكلة الاندماج الوطني في نيجيريا قوة وضعفاً، هدوءاً وعنفاً، يتمثل في المتغير الثاني الخاص بعملية تعبئة واستثارة وتوظيف الانقسامات بين الجماعات النيجيرية، حيث تفاوتت حدة مشكلة الاندماج الوطني في البلاد من فترة لأخرى، فخلال فترة الدراسة لم يحدث تغيير كبير في الانقسامات الموضوعية، كاللغوية والعرقية والإقليمية والدينية، بين الجماعات النيجيرية، ففي فترة الستينيات اشتدت حدة وعنف المشكلة الاندماجية، فيما هدأت الأوضاع خلال السبعينيات والثمانينيات، بعد وضع قيود دستورية وغيرها، أدت إلى تقليل كثير من إمكانيات تعبئة الانقسامات بين الجماعات.

وفيما يتعلق بمحاولات حل المشكلة الاندماجية في نيجيريا، توصل الباحث إلى نتيجتين أساسيتين هما تعدد مداخل وأدوات الحل من جهة، ثم تفاوت درجة النجاح أو الفشل من فترة لفترة من جهة أخرى، ففي سياق تعدد مداخل وأدوات الحل، وانطلاقا من مدخل الوحدة من خلال التعدد نجد احتفاظ الجماعات النيجيرية بثقافاتها ولغاتها وأديانها، لكنها في نفس الوقت تعيش في كيان سياسي واحد سواء بالإكراه أو بالرضا، كما تعددت أدوات الحل سواء كانت أدوات تساومية كالحماية وإعادة توزيع الموارد السياسية والاقتصادية، والمشاركة السياسية، أو كانت أدوات تسلطية كبعض أشكال العزل من خلال الفيدرالية واللامركزية، وبعض أشكال التجنب.

أما فيما يخص الحالة الراهنة للاندماج الوطني في نيجيريا، فقد رأى الباحث أن نيجيريا لم تصل بعد للاندماج الكامل في هوية واحدة، حيث أن الجماعات النيجيرية لم تصل بعد إلى تلك المرحلة، والتي تعد مرحلة ضمن أربع مراحل للاندماج الوطني.

——————

رسالة ماجستير

الدكتورصبحي محمد على قنصوة 

أستاذ مساعد العلوم السياسية -جامعة القاهرة

شاركنا رأيك

بريدك الإلكتروني مؤمن ولن يتم اظهاره للعلن.