المركز العراقي الافريقي للدراسات الاستراتيجية
الموقع الرسمي

وماذا عن التضخم؟ إجراءات أكتوبر ذات سمات تضخمية

0

تقديم
كنا قد عرفنا التضخم في مقالات سابقة لنا بأنه:
تعريف التضخم اقتصاديا هو زيادة عامة في معدل الاسعار، أي أنه قياس للتغيير الذي يحدث في متوسط اسعار مجموعة من السلع تحدد في كل بلد وفقا لوزنها في حياة الناس المعيشية وتأثيرها على المتغيرات الاقتصادية وفي معظم البلاد يعتبر معدل نمو الاسعار الذي لا يتجاوز 2% معدل صحي يعبر عن تطور معقول في الطلب مما يدفع المستثمرين واصحاب العمل لزيادة استثماراتهم و انتاجهم ولكن أي زيادة في معدل التضخم فوق ذلك تعني خللا إما في معدل نمو الطلب، كمية النقود المتداولة أو تكلفة الانتاج، لذا يقال أن التضخم أما يدفعه الطلب أو تدفعه التكلفة، ولكن هذا تجريد نظري فقط فعند دراسة الواقع الملموس تتكاتف وتترابط الأسباب التي تؤدي للتضخم ولا بد من دراسة تفصيلية لكل السياسات والقرارات والتوجهات والعلاقات الاقتصادية الداخلية والخارجية التي تؤدي للتضخم في البلد المعين. وقد نبه اللورد كينز الاقتصادي البريطاني المشهور لذلك قبل 85 عاما عندما قال: “الواجب الاساسي هو التعامل مع المسألة بشكل ديناميكي، تحليل العناصر المختلفة، بشكل يكشف العملية المسببة التي من خلالها يتحدد مستوى الاسعار ونهج انتقاله من مستوى تعادل الى آخر” (لورد كينز Treatise on Money, Vol. 1 p 133, Macmillan 1930).
إجراءات أكتوبر تضخمية بالنظرية وبالتجربة
لم نفاجأ بصعود معدلات التضخم بعد إجراءات أكتوبر الاقتصادية، فمن ناحية نظرية كان لابد لارتفاع سعر الصرف من 31 جنيه للدولار إلى 47.5 جنيه للدولار وهي نسبة ارتفاع في سعر الصرف ب50% تقريبا أن يؤدي لارتفاع الأسعار خاصة إذا صاحب ذلك زيادة مهولة في الكتلة النقدية قدم لها مبررين 1) حل مشكلة الكاش في البنوك (ونحن نستعمل تعبير الحكومة بينما الصحيح وفقا لعلم الاقتصاد وفرعه النقود والبنوك المشكلة تسمى مشكلة سيولة) 2) تمويل موسم الحصاد وشراء المحاصيل، وبينما الأولى تضخمية بشكل مطلق لأنها نقود تطبع دون انتاج مادي أو خدمي مقابلها، أما الثانية فاثرها التضخمي أو عدمه يعتمد على تناسب كمية النقد الجديد مع كمية الإنتاج الزراعي الجديد ومعدل سرعة دوران النقود. هذا من ناحية نظرية أما من ناحية التجربة فحدث ولا حرج.
لقد جربت سياسة تحرير سعر الصرف من قبل وكانت نتائجها تصاعد التضخم في التسعينات وقد رصدنا ذلك في مقالة سابقة لنا فقلنا:
” لعل انفجارات التضخم خلال فترة حكم الجبهة الاسلامية التي بدأت بإنقلاب 30 يونيو 1989 لم يشهدها السودان في تاريخه الحديث أو القديم حتى فاق معدل التضخم في السنين الأولى نسبة ال 98.1% عام 1991 وارتفع إلى 130.3% عام 1996 وعاد وانخفض في 1997 إلى 46% وكان المرحوم عبد الوهاب عثمان وزير المالية حينذاك والذي يعود له تخفيض التضخم في تلك الفترة فرحا بانخفاض التضخم في شهر من 37% في يوليو من عام 1997 إلى 33% في أغسطس في نفس العام. ورغم أن التضخم استمر في الانخفاض خاصة بعد بداية تصدير البترول فوصل 4.9% في عام 2001 ولكنه عاد وارتفع في عام 2002 إلى 8.3% وانخفض من جديد عام 2003 إلى 7.4%
ولكن الأسعار في الحقيقة لم تنخفض فالأثر التراكمي السابق للتضخم ظل مستمرا وظلت الأسعار مرتفعة وتمارس الارتفاع ولكن بنسب أقل حتى 2010 حيث عاد معدل التضخم للارتفاع بصورة خرافية من جديد. فقد بلغ معدل التضخم في عام 2012 30% وفي 2014 حوالي 37.5% (وفقا لكتاب ميزانية 2015 ص 11 و27) وتوقعت أن ينخفض ل 25.9% بنهاية عام 2015.”
وتعبر إجراءات أكتوبر عن انهيار كامل لتوقعات ميزانية 2018 والتي كنا قد تنبأنا في مقال سابق أيضا أن توقعاتها للتضخم وزيادة الكتلة النقدية غير حقيقية، فقلنا حينها:
“وفقا لهذه الميزانية فإن هدف خفض التضخم ل 19% لهو هدف بعيد المنال فمجرد زيادة سعر الدولار (يعني تخفيض الجنيه السوداني) ب 26% سيؤدي لموجة تضخمية أعلى مما يتوقع الوزير، خاصة أن الوزير يتوقع زيادة النقود ب 18.1% وهذا أيضا سيدفع التضخم إلى أعلى ونحن نتوقع أن تفوق نسبة التضخم 40% رغم الإجراءات التي اتخذت بإلغاء الرسوم على مدخلات الإنتاج، لأن سعر هذه المدخلات سيحسب على أساس 18 جنيه 260% أعلى من السابق، وأن السلع الجاهزة ستزيد أسعارها بأكثر من 260% لأن عليها رسوم وارد او جمارك أو قيمة مضافة.
إن هدف الميزانية هو تقليل معدل نمو الكتلة النقدية من 45% في عام 2017 إلى 18.1% في عام 2018، وهذا هدف آخر لا تساعد أرقام الميزانية على تحقيقه، فعجز الميزانية العالي سيدفع الحكومة نحو الاستدانة من النظام المصرفي وقرار بنك السودان بالعودة لشراء الدهب سيؤدي لنمو الكتلة النقدية من جديد، بل أن زيادة سعر الدولار الرسمي (خفض سعر الجنيه) سيؤدي لزيادة حجم الكتلة النقدية”

كيف تعمل آلية التضخم في الظروف الحالية
قلنا في مقدمة هذه المقالة أن التضخم إما أن يدفعه الطلب، أو تدفعه التكلفة وقلنا أن هذا تجريد ولكننا أيضا أوردنا تنبيه اللورد كينز عن ضرورة التحليل الملموس للواقع الملموس، فما هي آلية عمل التضخم في الظروف الحالية بعد إجراءات أكتوبر المالية والنقدية؟
إن أهم دفع للتضخم يأتي من تخفيض سعر الجنيه وارتفاع سعر الدولار وهو أثر على سعر التكلفة اما تكلفة استيراد سلع أو مواد خام أو مواد وسيطة أو آليات أو اسبيراتها وهذا سيكون له أثر مباشر في الموسم الزراعي الشتوي والمواسم الزراعية القادمة، فالموسم الزراعي الحالي قد تم الإنتاج ولربما يكون الأثر في التعبئة والنقل وفي تصنيع واعداد المواد الزراعية للتصدير. لكن الأثر على السلع الصناعية المنتجة محليا وبها مكون أجنبي والمستوردة فسيكون ارتفاعا مباشرا في الأسعار عن طريق زيادة التكلفة. وهذا النوع من التضخم تتحكم فيه الى جانب التكلفة الحقيقية التوقعات عن سعر الدولار، فكلما أستقر سوق الدولار كلما خف أثر التوقعات على التضخم والعكس صحيح.
سيؤخذ أثر زيادة الكتلة النقدية وقتا قبل أن يبدأ تأثيره التضخمي معتمدا على سرعة دوران النقد والتي تعكس بشكل ما تحوله من اقتناء إلى طلب حقيقي على البضائع والخدمات، و

شاركنا رأيك

بريدك الإلكتروني مؤمن ولن يتم اظهاره للعلن.