المركز العراقي الافريقي للدراسات الاستراتيجية
الموقع الرسمي

التحديات التي تواجه اللغات الأفريقية ..اللغة العربية نموذجاً

2
مقدمة

تكاد مسألة اللغة تختزل تاريخ الإنسانية برمته؛ ذلك أن اللغة تعد من أخص الخصائص التي يتميز بها البشر عما سواهم، فهى الجسر الواصل بين ماضي الإنسان وحاضره.وتلعب الّلغة دوراً غاية في الأهمية في حياة الفرد والمجتمع، فهي للفرد وسيلته في الاتصال بالآخرين، للحصول على حاجاته، والتنفيس عن مشاعره، ووسيلته للتعلم، وقطف ثمرات قرائح الآخرين، والتأثير في أفكارهم، واتجاهاتهم، وهي وسيلته للاطلاع على الثقافات المختلفة، واللغة للمجتمع وسيلة لصبغ الفرد بالصبغة الاجتماعية، ووصله بأفراده، وربطه بتراثه، وتعزيز انتمائه لمجتمعه ولبلاده.

 ولقد تعدّدت التعريفات التي ساقها العلماء والباحثون لمصطلح اللغة؛ حيث عرف ابن جني اللغة بقوله:” حدّ اللغة أصوات يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم.   وذكر ابن الحاجب في مختصره أن:” حدُّ اللغة كلُّ لفظٍ وُضع لمعنى”. وقال الأسنوي في شرح منهاج الأصول: “اللغات عبارة عن الألفاظ الموضوعة المعاني”.  كما يعرف ابن خلدون لالغة بقوله:” اعلم أن اللغة في المتعارف، هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل اللسان، فلابد أن تصير ملكة متقرّرة في العضو الفاعل لها، هو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم. 

ولا يخفى على أحد أن اللغة هي الأم التي تنسج الغزل المجتمعي في شبكة من علاقات الوفاق، التي تقيمها بين أفراد المجتمع، وجماعاته، ومؤسساته، ونظمه، ومعتقداته، فلا وفاق بلا لغة، ولامجتمع بلا وفاق. فاللغة في تعريفها هى أدة للتواصل والتفاهم بين أفراد المجتمع الواحد، فهي تعمل في سياقها الاجتماعي. والجماعة الناطقة باللغة هي التي تهب الألفاظ معانيها خلال استعمالها اللغة في غمرة قيامها بأنشطتها اللغوية. فاللغة هي الأم التي ترعى كل ناطق بها، ولاتضيق ذرعاً بصراحة كلماتها، وتغفر للعامة تجاوزها، ولاتحرم النخبة من تميّزها. ومن ثم فاللغة هى الوسيلة التي يستخدمها كل فرد في المجتمع ويكيفها من أجل التعبير عن رغباته واحتياجاته ومطالبه وأحلامه وعن مكنونات نفسه ومشاعره وأحاسيسه أيضاً. 

وفي هذا يُقال إن اللغة هي الأداة المعبِّرة عن منجزات العقل وإبداعاته، وعن نمو الثقافة وامتداداتها، واللغة وعاء الحضارة، ومرآة القيم ودليل الحياة، وهذا ما فطنت إليه الأمم الأوروبية؛ فاهتمت بلغاتها، وجعلتها وسيلتها لغزو الشعوب فكرياً وثقافياً والهيمنة عليها، ومن ثم ضمان ولاءها وسهولة السيطرة عليها في شتى المناحي. 

إنّ اللغة، بغض النظر عن ماهيتها وماهية متحدثيها، تُعد أهم عناصر التشكيل الثقافي لأي مجتمع من المجتمعات البشرية، وهي تساهم في تحديد هوية الفرد في هذا المجتمع كما تساهم أيضاً في تحديد مسارات تفكيره وشعوره بالانتماء إلى مجتمعه، وهذا كله يجعل من اللغة أمراً حساساً وعميق الجذور في نفوس المتكلمين بها، بل إن أمر هذه اللغة إذا أُهمل أو استهين به قد يكون مصدر خطورة على أمن بلد من البلاد.

ويرتبط وضع اللغة ارتباطاً وثيقاً بوضع الأمة، ذلك أن اللغة تستمد قوتها من قوة الأمة، فنهضة الأمة تنعكس في لغتها، فإذا كانت الحياة الفكرية والثقافية للأمَّة في مسار النهوض والتقدم، كانت اللغة على قدرِ ذلك؛ نهوضًا ورُقيًّا وخصوبة.  والأمة القوية تستطيع فرض لغتها بحكم ما تمثله هذه اللغة من دلالة على قوتها كأمة، وعلى حضارتها كشعب، وعلى سبقها في مجال التقدم الإنساني بكل فروعه وبالذات على مكانة الإنسان صاحب اللغة وصانعها فيها، فاللغة لا تتحرك إلا بالإنسان، وكلما تحرر الإنسان من القيود وزادت قدرته على التفتح والتلقي، زادت قدرة اللغة على التفتح والتلقي، وبدأت تتحرر من القيود، وتخرج إلى دنيا الحياة تزيد إلى رصيدها من الألفاظ والأساليب والتعبير مما يؤكد رحابتها وقدرتها على النمو.

واللغات هى وسيلة لتعارف القبائل والشعوب والأمم، ولكل لغة زمانها وموطنها تنمو فيه وتزدهر أو تحتضر فيه وتندثر. وهي في حركتها تتعرض لصراعات مع بعضها البعض فيتحقق الانتشار والسيادة والبقاء لبعضها، والتدهور والفناء للبعض الآخر. 

إن علاقة اللغة بالثقافة والحضارة لا تقتصر على كونها مجرد وعاء أو أداة لهما كما يظن البعض، فاللغة ليست مجرد رمز وحرف، وإنما هى رمز ومعنى، شكل ومضمون في الوقت نفسه، وهما أمران متلازمان؛ إذا لا يقوم مضمون دون شكل حتى لو كان في صورته الذهنية المجردة، كما لا تكون لرمز قيمة دون معنى. فالفكرة لغة، والثقافة بكل محتوياتها لغة، في نشوئها وتشكلها وانطلاقاتها في شتى المجالات النفسية والاجتماعية وغيرها.

من الناحية اللغوية، تعتبر أفريقيا من أشد المناطق تعقيداً في العالم ، ربما لا ينافسها في ذلك سوى أمريكا الجنوبية ؛ لدرجة أن بعض الباحثين في مجال اللغات يصفون أفريقيا بأنها غابة من اللغات.  ورغم كثرة المسوحات اللغوية والدراسات التي عنيت بموضوع اللغات في أفريقيا، إلا أنه لا توجد حتى يومنا هذا دراسة إحصائية دقيقة لعدد اللغات واللهجات الموجودة في أفريقيا. وربما يعود السبب في ذلك إلى التنوع السلالي والمظاهر الجغرافية المتباينة في هذه القارة؛ حيث يسكن القارة عدة سلالات لعل أقدمها جميعاً هي تلك السلالات التي تعيش في مناطق منعزلة من القارة ومنها الأقزام والبوشمن، والهوتنتوت أو ما يطلق عليهم الخواسان، غير أن الغالب على القارة هو الجماعات الزنجية والمتزنجين بدرجاتهم المختلفة، ثم الجماعات القوقازية من حاميين وساميين فضلاً عن الجماعات الوافدة. 

 وعليه يذهب علماء اللغات إلى أن هذا التبـاين السلالي جعل أفريقيا من أغنى قارات العالم من حيث الثروة اللغوية، فقدر بعضهم عدد اللغات في أفريقيا بنحو 2500 لغة تقريباً، في حين ذهب البعض الآخر إلى أن أفريقيا تستحوذ على نحو 2058 لغة من إجمالي عدد اللغات في العالم والمقدرة بنحو 6800 لغة؛ وهذا يعني أن نحو 30% من لغات العالم موجودة بأفريقيا . ويحوز الغرب الأفريقي نصيب الأسد في هذا التوزيع اللغوي؛ إذ يبلغ عدد اللغات به حوالي 1200 لغة، كذلك فإن أهم 13 لغة توجد بهذه المنطقة؛ أي تلك التي يزيد عدد المتحدثين بها على 200.000 نسمة.

ومن العلماء من يعزي السبب وراء كثرة اللغات في أفريقيا إلى العزلة التي فرضتها ظروف البيئة الاستوائية على سكانها من حواجز طبيعية من غابات وغيرها.  والعجيب هنا هو أنه على الرغم من كثرة اللغات الأفريقية المحلية إلا أنها تأتي في المرتبة الثانية بعد اللغات الأوربية التي تحتل المرتبة الأولى من حيث التداول الرسمي للدول الأفريقية، وذلك باستثناء اللغة العربية التي باتت لغة رسمية لعدد من البلدان العربية الأفريقية، واللغة السواحيلية التي اعتمدت حديثاً لغة رسمية لدولة تنزانيا.

 ولعل المظهر الأهم لحركة الاستعراب في أفريقيا ينجلي بوضوح أكبر عندما ننظر في أوضاع اللغة العربية وآثارها ومستقبلها في القارة، من خلال التحديات والفرص التي تقابل اللغة العربية في القارة، وأبرز هذه اللتحديات والفرص:

1- التحديات:

 واجهت اللغة العربية في أفريقيا -ولاتزال تواجه- العديد من التحديات والصعوبات، حيث عمل الاستعمار الأوروبي على محاربة العربية لغةً وثقافة عن طريق إقرار لغاته وفرض ثقافاته، مما أدى إلى الحد من الانتشار الذي حققته اللغة العربية خلال عصور التفوق الحضاري الإسلامي، وبدء انحسارها وتراجعها أمام غزو اللغات الأوربية وهيمنتها.

ويمكن إيجاز التحديات التي واجهت اللغة العربية في أفريقيا على النحو التالي:

أولاً: مزاحمة اللغات الأوروبية للغة العربية في أفريقيا

لقد عمد المستعمر الأوروبي – كما ذكرنا آنفاً- إلى فرض سياسات لغوية من أجل تدعيم لغاته في المستعمرات الأفريقية، فأضحت تلك اللغات لغات التعليم الرسمي والمعاملات في كثير من الدول الأفريقية، مما أدى إلى مواجهة الدول الأفريقية صعوبات جمة في تحديد هويتهم اللغوية، فهناك من يتحدث بها بصفتها لغة أولى، في حين يتحدث بها آخرون بصفتها لغة ثانية، وتشير التقديرات في هذا الصدد إلى أن عدد المتحدثين بالبرتغالية يصل إلى نحو عشرين مليوناً، بينما يصل عدد المتحدثين باللغة الفرنسية إلى أكثر من خمسين مليون، ويبلغ عدد المتحدثين باللغة الإنجليزية إلى مائة مليون شخص.

وقد قامت القوى الاستعمارية بوضع لغاتها في مكانة سامية، لمعرفتهم بأن اللغة وسيلة لأهداف متعددة، أهمها ربط المستعمرات بالدولة المستعمرة حاضراً ومستقبلاً ربطاً لغوياً، ومن ثم ربطها ثقافياً وفكرياً، وكذلك سياسياً واقتصادياً، وهذا واضح الآن حتى بعد الخروج العسكري وحصول هذه المستعمرات على استقلالها، فقد أصبحت لغة الدولة المستعمرة هي اللغة الرسمية، ولغة التعامل في الدواوين، ولغة التعامل مع العالم الخارجي، كما صارت لغة الثقافة. فقد صارت اللغتان الفرنسية والإنجليزية، لغة التعامل الرسمي ولغة التعليم ولغة الإعلام والصحافة ولغة المثقـفين في كثير من الدول الأفريقية. نتيجة لذلك انحسرت اللغة العربية وتراجع استخدامها في عدد من الدول الأفريقية حتى يومنا هذا. 

ثانياً: إثارة نعـرة اللغات المحلية والتعصب العرقي

شجع المستعمر – في حربه ضد اللغة العربية- نعرة اللغات المحلية، حتى المندثرة منها، وكذا التعصب للعرق والمذهب في محاولة لإحداث شروخ بين الأفارقة، كما هو الحال بالنسبة للأمازيغية في المغرب العربي؛ حيث أنشأت لها أكاديمية في فرنسا عام 1967م، هذا على الرغم من أن اللغة البربرية التي يتكلم بها بعض سكان شمالي أفريقيا، وبخاصة في الجزائر والمغرب، هي في حقيقتها ليست لغة واحدة لكل القبائل البربرية، وإنما هي عدة لهجات يصل عددها إلى 1200 لهجة.

ثالثاً: تشـجيع العامية على حساب الفصحى

عملت القوى الاستعمارية على تشجيع العامية وحاربت الفصحى؛ لأن العامية تتعدد لهجاتها فتفرّق أما الفصحى فتوحّد. ولعل التاريخ يعيد نفسه، فالدعوة إلى العامية بدلاً من الفصحى بدأت في كل من مصر وسوريا وبلاد المغرب على يد كل من: ولكوكس، وعبد العزيز فهمي، وسلامة موسى، وأنيس فريحة وغيرهم، وتصدى لهم نفر من ذوي الغيرة على العربية، وأوردوا الحجج التي تُبطل هذه الدعــوة. وفي جنوب السودان قامت السياسة البريطانية على محورين؛ الأول: محاربة اللغة العربية وتشجيع استخدام اللغة الإنجليزية بدلاً منها؛ لتستعمل في حالة صعوبة استعمال اللهجات المحلية، والثاني: تشجيع الموظفين في المديريات الجنوبية (جنوب السودان) على تعلم اللهجات المحلية.

رابعــاً: كتابة اللغات الأفريقية بالحرف اللاتيني

لقد عمد المستعمر الأوروبي إلى كتابة اللغات الأفريقية بالحرف اللاتيني، كما حدث مع عدد من كبريات اللغات في أفريقيا مثل لغة الهوسا والسواحيلية والفولاني، فبعد أن كانت هذه اللغات تكتب بالحرف العربي لردح طويل من الزمن جاء المستعمر واستبدل الحرف العربي بالحرف اللاتيني في محاولة لطمس وتشويه الثقافة والهوية العربية لأفريقيا.

خامساً: الحملات العدائية ضد العرب

لقد بدأت حرب منظمة ضد اللغة العربية منذ دخول الاستعمار لأفريقيا، وبعد استقلال أفريقيا، لإبعاد اللغة العربية عن مسرح الحياة، ومن التفكير في أن تكون لغة أفريقيا. بل ذهب بعض الأفارقة إلى أن الاستعمار عمل على انتشار اللغة العربية والإسلام في أفريقيا لإضعاف الثقافة الأفريقية. وبدأت الدعوة إلى الزنجية، وإلى أن هنالك أفريقيا السوداء وغير السوداء، وأفريقيا شمال الصحراء وجنوب الصحراء، وذلك إمعاناً في إبعاد التأثير الإسلامي والعربي في بقية أنحاء أفريقيا.

سادساً: الثقافة العربية ثقافة الأقلية

كون الثقافة العربية هي ثقافة الأقلية، بسبب قلة عدد المتحدثين بها والمنتمين إليها مقارنةً ببقية السكان، كما تتسم الثقافة العربية في أفريقيا المعاصرة بأنّها ثقافة خارج السياق المحلي، فلا يوجد للعربية وجود ثقافي مستقلّ في المحافل الوطنية الأفريقية، ولا وجود لها في إطار الأنظمة والمؤسسات الرسمية الحكومية. ناهيك عن واقع المؤسسات المعنية باللغة العربية في أفريقيا، مثل المدارس والجامعات والمساجد، حيث تذهب بعض الإحصائيات التقديرية إلى أن عدد المدارس القرآنية في نيجيريا قرابة المليون مدرسة، أما في كوت ديفوار فهناك حوالي 500 مدرسة، وفي السنغال تقدر بحوالي 200 ألف مدرسة. هذا إلى جانب قلة المدارس العربية مقارنة بغيرها من المدارس، على الرغم من ارتفاع نسبة الاحتياج إليها في الأوساط المحلية، وغياب التمويل ومجانية تعليم العربية في تلك المدارس وما يصاحبها من تواضع أجور المدرسين، وعدم الاعتراف الحكومي بالعديد من المدارس العربية. ناهيك عن أن هذه المدارس تفتقر إلى رؤية منهجية شاملة وواضحة للعمل لدى كثير منها، وعدم وجود دراسات موضوعية عن البيئة العامة ومتطلباتها من الثقافة والخبرات، فضلاً عن عدم وجود خطة عملية منظمة، تتعاون عليها المؤسسات المعنية بالعربية.

سابعاً: ضعف الحضور المحلي والعالمي

ما من شك في أن المجتمعات العربية تعاني غزو اللغات الأجنبية لها في مختلف الميادين: في الإعلام، وفي المؤسسات التعليمية، وفي السوق والشارع. أما ضعف الحضور العربي في المستوى الدولي؛ فإن له علاقة بالنظرة الدونية لمتحدثي العربية إلى أنفسهم، وقد لاحظ الكثير من الدبلوماسيين أن حضور اللغة العربية مثلاً في اجتماعات الأمم المتحدة إنما هو في إلقاء الخطب وترجمتها، أما في أروقة الاجتماع، وفي المحافل المصاحبة، فإن العرب أنفسهم يتخاطبون فيما بينهم بالإنجليزية أو الفرنسية، وإذا خاطبهم غيرهم بالعربية فكثيراً ما يردون عليه بالإنجليزية أو بلغة أجنبية.

2- الفرص

إن اللغة العربية لديها من الفرص والإمكانات ما يضمن لها مستقبلاً مشرقاً في أفريقيا؛ شريطة الاستغلال الأمثل لهذه الفرص والإمكانات. وعليه يمكن القول أن نهضة اللغة العربية ومستقبلها في أفريقيا مرهون بعدة خطوات، يفضي إتباعها والتطبيق الأمثل لها إلى تعزيز مكانة اللغة العربية في أفريقيا وضمان مستقبل حقيقي لها، ومن أهم هذه الخطوات:

أولاً: بعث العربية بوظائفها المتعدة

 تمتاز اللغة العربية في أفريقيا بوجه عام وفي جنوب الصحراء بوجه خاص بتعددية الوظائف، فهى لغة التجارة والسياسة والدين والثقافة في الوقت نفسه. وعليه؛ فإن مستقبل اللغة العربية مرهون بمدى نجاحها في الظهور في مختلف الصُعد، خصوصاً في المجالات التي يتميز بها عصر المعلوماتية، فإذا أثبت متحدثو العربية أنها جديرة بالاستخدام في ميادين الاتصال، والمعاملات التجارية، والبث الإعلامي، فإن تبني مجتمعات إفريقية أو غيرها من المجتمعات للغة العربية في تلك المناشط الحياتية سوف يكون سلساً.

ثانيا ً: توظيف العربية في جميع فروع العلم والمعرفة

بمقدور اللغة العربية أن تضع لنفسها قدماً ثابتة بأفريقيا إذا وظفت نفسها في فروع المعرفة المعاصرة، وسوف ينتج عن ذلك اقتراض اللغات الأفريقية الكبرى من العربية في تلك المجالات الحديثة، بل سوف يتعدى التأثير من الاقتراض المحض إلى تأثر تلك اللغات بالعربية في المستويات اللغوية الخطابية الأخرى، وسيمهد لهذا التأثر ويسهله العلاقة العضوية القائمة بين العربية وبين اللغات الأفريقية. وعليه فإن المطلوب هو أن يتجه أبناء العربية إلى تبنى استخدام العربية في شتى فروع العلم والمعرفة لتصبح لغة الحداثة كما قدر للإنجليزية والفرنسية.

ثالثا: دعم اللغات الأفريقية ذوات العلاقة بالعربية

إن اللغة العربية- كغيرها من اللغات- لا يمكنها أن تبقى في المعترك اللغوي الراهن، أو أن تتبوأ مكانة لنفسها، وهي منعزلة، وإنما يتحقق ذلك عبر شراكة و” تحالفات لغوية” كبيرة. ولا شك أن دعم أية لغة إفريقية كبرى، لهو دعم غير مباشر للغة العربية؛ لما قد سبق بيانه من علاقة عضوية بين معظم تلك اللغات وبين العربية، على سبيل المثال؛ فقد تنبه بعض الباحثين إلى أن الارتقاء باللغة السواحيلية بوصفها لغة وطنية بتنزانيا وكينيا قد أدى إلى ترك الكثير من المفردات المقترضة من الإنجليزية واستعمال مفردات عربية مكانها.

رابعاً: عولمة الحرف العربي

 إن من إشكالات اللغات الأفريقية أنها ما زالت في طور الشفاهية، وقد يكون هذا الإشكال مدخلاً مهماً، وبوابة مفتوحة أمام العربية؛ لإسداء خدمة تاريخية إلى اللغات الأفريقية، ويتحقق ذلك بوضع نظام كتابي للغات الأفريقية بالحرف العربي، ولا شك أن ذلك يعود على اللغة العربية نفسها بالنفع الكثير في العصر الرقمي الذي نحن فيه. والجدير بالذكر إلى أن العربية قد سبقت إلى إمداد بعض اللغات الأفريقية بنظامها الكتابي الأول قبل الحضور الأوروبي إلى القارة وعرف بـ” العجمي”؛ لذلك حين وفدت تلك اللغات الاستعمارية إلى أفريقيا؛ فإن أول ما قامت به إزاحة الحرف العربي عن تلك اللغات واستبدلت به الحرف اللاتيني، حدث ذلك في السواحيلية، والهوسا، واليوروبا، والفلفلدي، والماندينغ، وغيرها من الكتابات.

لكن هذه المبادرة كانت من أصحاب تلك اللغات أنفسهم، ومحصورة في نطاق تواصلي محدود يتمثل في: الدعوة، والمراسلات، وتدوين المذكرات؛ لذلك فإن السمة الغالبة في تلك العجميات أنها غير ممنهجة، وغير ثابتة الإملاء؛ حيث يختلف هجاء الأصوات والكلمات بين منطقة وأخرى، ومن شخص لآخر، وطبقاً لإحصاءات اليونسكو فإن أكثر من 50% من الراشدين في دول: السنغال، وغينيا بيساو، وغامبيا، من قبائل ماندينكا، يكتبون بالعجمي بشكل من الأشكال، وهذا رأسمال مهم في مشروع تطوير “العجمية” بأفريقيا جنوب الصحراء.

إذن، توجد فرص كبيرة بحوزة العربية لوضع نظام كتابي شامل للغات الأفريقية، والمشاركة في برنامج موسع لمحو الأمية، ولعل المهمة أسهل من ذي قبل بتقدم الوسائل التكنولوجية، ووفرة الدراسات اللسانية عن لغات أفريقيا، ووجود حملة شهادات عليا في الدراسات العربية في كل بلد أفريقي.

وثمة وسائل من شأنها أن تساهم في النهوض بمكانة اللغة العربية في أفريقيا، نذكر منها:

• ضرورة قيام الدول العربية والإسلامية بتبني سياسة واضحة في تعليم اللغة العربية ونشرها في أفريقيا.

• العمل على إنشاء معاهد لإعداد متخصصين في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها على غرار معهد الخرطوم الدولي للغة العربية.

• الاهتمام ببناء مناهج للغة العربية تلائم البيئة الأفريقية، وتراعي جوانب المنهج المختلفة.

• ابتعاث عدد أكبر من الطلاب لدراسة الماجستير والدكتوراه في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها.

• إنشاء أقسام للغة العربية في الجامعات الأفريقية، وهذا يقع على عاتق الحكومات العربية والإسلامية.

• إيجاد برنامج تدريبي ثابت لمعلمي اللغة العربية، ترعاه وتموله المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسسكو)، وإيجاد الوضع المناسب لمعلم اللغة العربية حتى يؤدي دوره على أكمل وجه.

• وضع خطة لتعليم اللغة العربية عن طريق الإذاعات والتلفاز والحاسوب، ودعم أقسام اللغة العربية في الجامعات الموجودة في دول أفريقيا.

•تدعيم الروابط الأكاديمية بين الجامعات الأفريقية والجامعات العربية، وتقديم المنح للدارسين الأفارقة الراغبين في القيام بأبحاث في اللغة العربية تتطلب وجودهم في الجامعات العربية.

خاتمة

وخلاصة القول إن اللغة تساعد على قيام التنظيمات الاجتماعية البشرية وتعطيها  استمرارا في الزمان والمكان، بل ويمكننا القول إن أعظم ما ابتدعه الإنسان هو اللغة  كأداة للتفاعل الاجتماعي ولنمو الفرد ونمو المجتمع. فاللغة نتاج اجتماعي ومرآة تعكس تاريخ الشعوب واهتماماتها، بل هي الوسيلة التي تساعد على نقل التقاليد وتكوين الأهداف  ومناقشة الاستراتيجيات والإجراءات. 

وأفريقيا الغنية بمواردها الطبيعية غنية أيضاً بلغاتها المختلفة التي تعد واحدة من أبرز سمات القارة. ولقد تبين لنا من خلال استعراض الواقع اللغوي في أفريقيا أن ثمة تحديات كبيرة تؤثر على المشهد اللغوي في أفريقيا من أهمها: تحدي الانقراض وتحدي العولمة وتحدي اللغات الأوروبية وثقافتها وقضية الاستعراب وقضية التأفرق.. إلخ.

كما تبين من خلال استعراض واقع اللغة العربية في أفريقيا أن العربية كانت بمثابة النبع الفياض والضمان التاريخي لعدد غير قليل من اللغات الأفريقية المحلية؛ فقد أخذت كثير من اللغات الأفريقية عناصر كثيرة من العربية، كما أمدت العربية بعض اللغات الأفريقية بنظامها الكتابي الأول قبل الحضور الأوروبي إلى القارة؛ حيث تبنت عدد من اللغات الأفريقية الكبرى الحرف العربي، وأنتجت به في مختلف المعارف إنتاجاً رفيع المستوى.

وعليه يمكن القول إنه إذا تم استغلال هذا التنوع اللغوي الذي تتمتع به القارة الأفريقية استغلالاً صحيحاً وتوظيف اللغة العربية التي تعد إحدى أهم لغات الاتصال بين أبناء أفريقيا على اختلاف مشاربهم ومنازعهم فستتمكن القارة من تحقيق نهضتها الشاملة في كل المجالات وتتبوأ المكانة التي تستحقها بين قارات العالم أجمع. 

——————-

المراجع:

  هارون باه: إشكالية اللغة في إفريقيا.. ترميم ذاكرة. مجلة قراءات إفريقية، العدد 18، أكتوبر- ديسمبر 2013، ص63.

  سيد رشاد:  تثوير اللغة – قراءة في لغة الثورتين المصرية والليبية. أعمال المؤتمر الدولي ” المثلث الذهبي-إمكانات التكامل والتنمية”، معهد البحوث والدراسات الإفريقية، جامعة القاهرة، 2013، ص 155.

  أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي، من أئمة الأدب والنحو، وله شعر. ولد بالموصل وتوفي ببغداد، عن نحو 65 عامًا. وكان أبوه مملوكا روميا لسليمان بن فهد الازدي الموصلي. من تصانيفه: سر الصناعة، والخصائص، انظر: الأعلام، خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الزركلي الدمشقي، الجزء 4 دار العلم للملايين، ط 15، مايو 2002م، ص 204.

  أبي الفتح عثمان ابن جني :الخصائص. القاهرة, جزء 1, 1913 ،  ص1.

  جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي: المزهر في علوم اللغة وأنواعها. دار الكتب العلمية، بيروت، 1998، ص8.

  نايف محمود معروف: خصائص العربية وطرائق تدريسها. لبنان، 1998، ص 16. 

  سيد رشاد:  تثوير اللغة – قراءة في لغة الثورتين المصرية والليبية، مرجع سابق، ص 156.

  بن يحيى الطاهر ناعوس: اللغة العربية وتحديات الازدواجية اللغوية: الواقع والحلول.

http://www.alukah.net/literature_language/0/68064 .    (16/1/2016)/

  كمال محمد جاه الله: السياسات اللغوية في السودان مع إشارة خاصة لعهد حكومة الإنقاذ الوطني 1989-2004. أعمال المؤتمر الدولي” اللغة والسياسة في أفريقيا”، معهد البحوث والدراسات الإفريقية، جامعة القاهرة، القاهرة، 2008، ص 177.

  فرحان السليم: اللغة العربية ومكانتها بين اللغات.

(16/1/2016)        http://www.saaid.net/Minute/33.htm                       

  جلال عبد المعز: اللغة والسياسة والدبلوماسية والأخلاق. “أعمال المؤتمر الدولي” اللغة والسياسة في أفريقيا، معهد البحوث والدراسات الإفريقية، جامعة القاهرة، القاهرة، 2008، ص 2.

  المرجع السابق، ص 9.

  اللغة العربية والوجدان الإفريقي..حقائق وتحديات. مجلة قراءات إفريقية، العدد 18، أكتوبر-ديسمبر 2013، ص 2-3.

  محمد علي نوفل: التعدد اللغوي في نيجيريا ، مجلة الدراسات الإفريقية، العدد 22 ، جامعة القاهرة ، 2000 ، ص 3.

  شيخ صمب: كبرى اللغات بإفريقيا وأثرها في نشر التعليم الإسلامي. مجلة قراءات إفريقية، العدد 18، أكتوبر-ديسمبر 2013، ص 34.

  محمد عبد الغني سعودي: إفريقيا في شخصية القارة وشخصية الأقاليم. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة ، 2004 ، ص 45.

  Heine and Nurse (ed). African Languages:An Introduction , Cambridge University Press, 2002, p: 1.

  محمد رياض، كوثر عبد الرسول: إفريقيات ودراسة لمقومات القارة.  ط 2، دار النهضة العربية، بيروت، 1973، ص 228.

2 التعليقات
  1. محمد فوضيل says

    موضوع قبم جد وثري ، شكرا جزيلا لكم .

  2. محمد فوضيل says

    موضوع قيم جد وثري ، شكرا جزيلا لكم

شاركنا رأيك

بريدك الإلكتروني مؤمن ولن يتم اظهاره للعلن.